الصوماليون وعقدة ترامب
ذكر ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة؛ “أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده، والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ إنّما هو لكمال الغالب”.
هذه القاعدة الاجتماعية تضيء لنا لم يثور ترامب هذا الثوران كله على الصوماليين؟ فالمهاجر عادة يهاجر بلده، وهو منكسر ضاقت عليه بلاده: إمّا لفقدان الأمن، أو لشيوع الاستبداد والقهر، أو غير ذلك من العوامل الأخرى التي تضطرّ الإنسان إلى الفراق والهجرة إلى بلدان مستقرة يراها توفّر له فرصة أفضل.
ونفسية المهاجر في الغالب نفسية مهزومة مهزوزة تنطبق عليها القاعدة الخلدونية، وتعتقد الكمال والتقدم والفضل في البلد الذي هاجرت اليه، وتبالغ في محاكاته في زيّه وشعاره وسائر أحواله، ولكن المجتمع الصومالي أثبت أن هذه القاعدة ليست مطّردة في جميع الأحوال في جميع الأمم، فالجاليات الصومالية التي هاجرت إلى الغرب عامة سلمت من الوقوع في فخ الاندماج السلبي الذي يسلب الإنسان هويته الثقافية والدينية، ونجحت في شق طريق خاص بها، مكّنها من الاندماج الإيجابي الذي يحفظ لها خصوصيتها الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه ينقذها من الذوبان في ثقافة المجتمع الجديد.
هذه الثقة في النفس، وعدم الانجرار إلى محاكاة الآخر، وما جبل عليه الصومالي في فطرته من حبّ الحرية والاستقلالية، كل ذلك منح الجالية الصومالية في الغرب نوعا من استقلال الشخصية، وصار لها وجود سياسي واجتماعي ملحوظ، متجاوزين عقدة الغريب، ومنخرطين في المهجر كمواطنين يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ومؤثرين في محيطهم تأثيرا ايجابيا، تظهر آثاره على الحياة الثقافية الدينية والسياسية في البلاد.
ظنّ ترامب ومن على شاكلته من أولى النزعات العنصرية في الغرب أن المهاجرين جاءوا يبحثون عن العيش والخبز، فإذا توفر لهم ذلك انسلخوا من أصولهم وأديانهم، وتنكّروا لثقافاتهم وهوياتهم، فلما خاب ظنهم وتيقنوا أن هولاء المهاجرين لا يقتصر همّهم على توفير الطعام والشراب، وإنما يبحثون عن الحرية والكرامة والعدالة، وغير ذلك من القيم الإنسانية التي تجعل للحياة معنى أرقى من الحياة المادية، سقط في أيديهم، وجنّ جنونهم، يخبطون خبط عشواء، ويصبون جام غضبهم على الجالبة الصومالية، وما ينقمون منها إلا أنها تسامت من نزعاتها المادية، وتحررت من هاجس الغربة، والخوف من نزعات الخطاب العنصري، ونجحت في خلق معادلة معقدة ولكنها منطقية، معادلة تمكّنها من التمسك بأصولها وهوياتها من دون التنكّر لثقافة مجتمعاتها المتعددة وهوياتها المتنوعة.
يبدو أن ترامب حائر في الشخصية الصومالية، فهو من ناحية يراها مجموعات فشلت في إدارة اجتماعها البشري في أوطانها الأصلية، وتفرقت في أرحاء العالم شذر مذر، ومن ناحية أخرى يرى في أمريكا مجتمعا صوماليا مهاجرا متماسكا، منظّما، ناجحا، مؤثرا، واثقا بنفسه، متجاوزا لعقدة الآخر، يؤثر ويتأثر، ويحقق شيئا ملفتا للانتباه في مدة زمنية قصيرة نسبيا، ولقد حار ترامب في هذا التناقض الظاهري في الشخصية الصومالية، فشل في بناء الدولة في الداخل ونجاح في المشاركة السياسية في الخارج، تناحر وتفرق في الوطن، وتماسك وتكاتف في المهجر.
ولو نظر نظرة تأمل لأدرك السبب، ولعلم أن الصوماليين مجبولون على حبّ الحرية، فهو لم يستعبدوا قطّ في حياتهم، فلما جاء الإسلام وجدوا فيه ما كانوا مجبولين عليه من إعلاء الحرية والفطرية الإنسانية السليمة، فاعتنقوه عن اقتناع، وعضّوا عليه بالنواجذ، يلجأون اليه عند ضعفهم، فيجدون فيه القوة الروحية التي تمكّنهم من مواجهة التحديات حولهم، وهنا نفهم أن الشخصية الصومالية تتكئ على دعامتين أساسيتين: أولاهما: تلك الفطرة الإنسانية السليمة المطبوعة على حبّ الحرية وبغض الإكراه، وثانيهما: هذا الدين الذي يعضد هذه الفطرة، وينمّيها، ويعهدها بالتقويم والتهذيب، وما كان تدميرهم لدولتهم إلا رفضا للإكراه والتسلط والقهر والبطش، فما يظنه ترامب وشرذمته عيبا وضعفا في الشخصية الصومالية هو عينه ما يمنحها قوة إرادة واستقلال شخصية في منيسوتا، وليس نجاحهم في أمريكا وفي غيرها من دول الغرب الديمقراطية إلا بقدر ما يجدون فيها من بيئة مواتية تمنحهم الحرية والكرامة الإنسانية، فالصومالي عنصر نشط فعّال ناتج إذا شعر بالحرية، ويتحول إلى عنصر هدم وتخريب وتدمير إذا سلب منه هذه الحرية وشعر بالقهر والغبن. وعل كل، فكلّما شعر الصومالي التهديد رجع إلى فطرته وإلى دينه فلم يخذلاه في غابر الزمان، ولن يخذلاه في مستقبل الايام.
عبدالواحد عبدالله شافعي.















