*الصوماليون بين عجز الداخل وضجيج الجغرافيا السياسية*
لم يعد الصومالي، فردًا كان أو جماعة، ممسكًا بزمام حياته كما ينبغي، ولا قادرًا على رسم ملامح مستقبله بإرادة مستقلة. فالعجز لم يعد عارضًا، بل تحوّل إلى حالة عامة، وانعدام التمكّن لم يعد استثناءً، بل صار القاعدة التي تُدار بها شؤون الناس والدولة على السواء. وفي ظل هشاشة بنية الدولة، وتعثّر مسارات المصالحة، وغياب التوافق الوطني الجامع، وجد الصوماليون أنفسهم في لحظة تاريخية حرجة، عراةً أمام رياح صراع دولي عاتية، لا يملكون لها دفعًا ولا حسنَ تدبير.
وبينما كان الداخل الصومالي غارقًا في انقساماته، مشغولًا بجراحه المفتوحة، فإذا به يُفاجأ بتهافت دولي غير مسبوق على القرن الإفريقي، في لحظة تشكُّل نظام دولي جديد، تتراجع فيه هيبة القانون الدولي، وتعلو فيه منطق القوة، وتتسع فيه مساحات الفوضى المقنّعة بالمصالح. وجاءت سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بما حملته من خروج سافر على الأعراف الدولية، لتزيد المشهد ارتباكًا، وتؤذن بعصر تتقدّم فيه النزعات الأحادية على قواعد التوازن والشرعية.
ثم جاءت ارتدادات حرب غزة لتكشف عن تحوّلات أعمق في موازين القوة الإقليمية؛ حيث برزت إيران وأذرعها، من الحوثيين إلى حزب الله، باعتبارها عائقًا صلبًا في وجه مشروع الهيمنة الصهيونية، الأمر الذي فجر توترات ممتدة من الشرق الأوسط إلى البحر الأحمر، ومنه إلى القرن الإفريقي، حيث تقع الصومال في قلب هذا الإعصار الجيوسياسي.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في خطورة اللحظة، بل في أن الصوماليين، بحكم واقعهم الراهن، ليسوا في موقع يؤهلهم للتعامل بندية وفاعلية مع هذه التعقيدات المتشابكة. فالدولة الضعيفة، والمجتمع المنقسم، والنخب المتنازعة، لا تستطيع أن تحمي مصالحها المستقبلية، ولا أن تصون تماسكها الداخلي، في عالم لا يرحم الضعفاء، ولا ينتظر المترددين.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع بروز كتل إقليمية ودولية متنافسة على السيطرة على المنافذ البحرية، وممرات الطاقة، وخطوط التجارة. ففي ضفةٍ تقف السعودية وتركيا ومصر، ومعها شبكة من الحلفاء، وفي الضفة الأخرى إسرائيل، مدعومة بالولايات المتحدة وإثيوبيا والهند. وبين الضفتين، تقف الصومال، لا كلاعبٍ فاعل، بل كساحة مفتوحة، يُخشى أن تتحول إلى مسرح لتصفية الحسابات، كما كانت في حقبة سابقة من تاريخها.
وهنا تعود الذاكرة الصومالية، مثقلةً بالألم، إلى القرن التاسع عشر، حين تقاسم المستعمرون الأرض الصومالية مناطقَ نفوذ، لا اعتبار فيها لوحدة شعب، ولا لحق أمة في تقرير مصيرها. يومها كان الصوماليون ضحية توازنات خارجية، واليوم يخشى أن يعاد إنتاج المشهد، ولكن بأدوات جديدة، وشعارات مختلفة، وجغرافيا سياسية أكثر تعقيدًا.
وأمام هذا كله، لا مناص من وقفة جادة، ولا مهرب من استدعاء صوت العقل والحكمة. فالأولوية المطلقة، قبل أي حسابات إقليمية أو اصطفافات دولية، يجب أن تكون لتوحيد الصف الداخلي، وترميم الثقة بين مكوّنات المجتمع، وبناء حدٍّ أدنى من الإجماع الوطني. فلا حماية للمصالح في الخارج دون تماسك في الداخل، ولا سيادة لدولة تتآكل ثقة مواطنيها بمؤسساتها.
إن توحيد الصف ليس شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة وجودية، تقتضي الشفافية، وتحسين الإجراءات، وضمان عدالة القرار، حتى يشعر المواطن بأن الدولة دولته، وأن مستقبله ليس ورقة في لعبة الأمم. وحده هذا المسار كفيل بأن يُخرج الصومال من موقع الساحة إلى موقع الفاعل، ومن مقام الضحية إلى مقام الشريك في صناعة مصيره.
وفي زمن التحوّلات الكبرى، لا يملك الصوماليون ترف الانتظار؛ فإما أن يُحسنوا قراءة اللحظة، ويستعيدوا زمام أمرهم، أو يُترَك لهم التاريخ مرة أخرى هامشًا ضيقًا، يُكتب فيه مصيرهم بأقلام غيرهم.
محمد عمر أحمد

