الصومال بين الأمس واليوم: الاستقرار السياسي كمدخل لبناء الدولة الحديثة
لأكثر من ثلاثة عقود، ظل الصومال حاضرًا في الوعي الإقليمي والدولي بوصفه دولة تعاني من هشاشة سياسية، وصراعات داخلية، وانقسامات مزمنة أعاقت قيام مؤسسات مستقرة. غير أن المشهد الداخلي اليوم يكشف عن تحوّل نوعي يستحق القراءة المتأنية، إذ تشهد السياسة الداخلية الصومالية حالة غير مسبوقة من الهدوء النسبي والاستقرار، مقارنة بالسنوات الماضية التي طغت عليها الأزمات والتجاذبات الحادة.
هذا التحول لا يمكن اعتباره ظرفيًا أو عابرًا، بل تؤكده مؤشرات ملموسة على الأرض. فمن أبرز ملامح المرحلة الراهنة حرية تنقل قيادات المعارضة داخل البلاد، وممارستهم لنشاطهم السياسي دون خوف أو تضييق، في مشهد يعكس تطورًا في الثقافة السياسية، وانتقالًا تدريجيًا من منطق الإقصاء إلى منطق التعددية وقبول الآخر. كما أصبح عقد المؤتمرات واللقاءات السياسية، حتى المتباينة في رؤاها، أمرًا طبيعيًا داخل الأراضي الصومالية، وهو ما كان يُعد في السابق مؤشرًا على توتر أو انقسام.
وفي السياق ذاته، شكّل تنظيم أول انتخابات بنظام “شخص واحد، صوت واحد” في العاصمة مقديشو بعد انقطاع دام 56 عامًا محطة مفصلية في تاريخ العملية السياسية. فهذه الخطوة لا تقتصر أهميتها على بعدها الانتخابي، بل تمثل تحولًا جوهريًا في مفهوم الشرعية، وإعادة ربط السلطة بإرادة المواطن، بعيدًا عن أنماط المحاصصة التي أضعفت الدولة لسنوات طويلة.
على مستوى الحكم، يبرز انسجام سياسي ومؤسسي غير مسبوق بين رئاسة الجمهورية (فيلا صوماليا) ومكتب رئيس الوزراء (OPM)، حيث يسود التنسيق والعمل المشترك بدل الصراع والتنافس الذي ميّز مراحل سابقة منذ الاستقلال عام 1960. ويُعد هذا الانسجام عنصرًا حاسمًا في تعزيز الاستقرار، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
أمنيًا، شهدت العاصمة مقديشو تحسنًا لافتًا، إذ بلغت مستويات الأمن خلال الفترة 2022–2026 أعلى معدلاتها منذ سنوات، ما انعكس إيجابًا على الحياة اليومية للمواطنين، وعلى النشاط الاقتصادي، وعودة الاستثمارات، والشعور العام بالأمان. ويأتي هذا التحسن متزامنًا مع إعلان فخامة رئيس الجمهورية، الدكتور حسن شيخ محمود، قرب بدء استخراج النفط، وهو تطور استراتيجي قد يشكّل نقطة تحول اقتصادية كبرى إذا ما أُحسن توظيفه ضمن إطار شفاف وعادل يخدم المصلحة الوطنية.
إن مجمل هذه المعطيات تشير بوضوح إلى أن الصومال، وللمرة الأولى منذ عقود، يضع قدمه على الطريق الصحيح لبناء دولة مستقرة وقادرة. غير أن هذه الفرصة التاريخية تظل مشروطة بالحفاظ على الاستقرار، وتعزيز ثقافة الدولة، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تحقيق الإنجازات فحسب، بل في صونها وتطويرها، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل. لقد آن الأوان أن يعيش الصوماليون بإنسانية وكرامة، وأن تُدار الخلافات بعقل الدولة، لا بعقل الصراع.
كاتب صومالي: عبدالرحمن سهل يوسف


















