في البيئات السياسية الهشة، لا يكون التغيير خيارًا مريحًا، بل مسارًا محفوفًا بالمخاطر والتحديات، يتطلب قدرًا عاليًا من الجرأة والقدرة على إدارة التعقيدات. وفي هذا السياق، برز نهج رئيس الجمهورية، حسن شيخ محمود، الذي اختار المضي في مشروع تغيير شامل يمسّ ركائز الدولة الصومالية، مستفيدًا من خبرته السابقة وإدراكه العميق لطبيعة التحديات التي واجهت البلاد لعقود.
وبعد سنوات من العمل في بيئة سياسية وأمنية معقدة، بدأت ملامح هذا التوجه تتبلور تدريجيًا، عبر ثلاثة محاور رئيسية: الأمن، والاستقرار السياسي، والتحول الاقتصادي. وهي مجالات مترابطة، يشكّل التقدم في أحدها مدخلًا لتعزيز الآخر، وتنعكس نتائجها بشكل مباشر على حياة المواطنين.
أولًا: الأمن… المدخل الحاسم لإعادة بناء الدولة
تعاملت القيادة الصومالية مع ملف الأمن بوصفه الركيزة الأساسية لأي عملية إصلاح، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن غياب الاستقرار يقوّض فرص التنمية ويعطّل بناء المؤسسات. وعلى هذا الأساس، أطلقت الدولة حملات عسكرية وأمنية مكثفة استهدفت الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حركة الشباب، إلى جانب اتخاذ إجراءات للحد من انتشار السلاح غير القانوني، والعمل على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتعزيز قدراتها.
وقد أفضت هذه الجهود إلى تحسن ملحوظ في الوضع الأمني، لا سيما في العاصمة مقديشو، التي تشهد مستويات استقرار تُعد الأفضل منذ عقود، وفق تقديرات محلية. كما انعكس هذا التحسن على عدد من المدن الرئيسية، حيث تراجعت الهجمات بشكل لافت، ما أسهم في استعادة جزء من الحياة الطبيعية. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، ما يستدعي استمرار العمليات وتعزيز التنسيق الأمني لضمان استدامة هذا التحسن.
ثانيًا: الاستقرار السياسي… من الجمود إلى إعادة التشكيل
على الصعيد السياسي، سعت القيادة إلى إحداث تحول نوعي في بنية النظام السياسي، الذي ظل لفترة طويلة أسيرًا للجمود والانقسامات التقليدية. وانطلقت هذه الجهود من إدراك أن بناء دولة حديثة يتطلب نظامًا سياسيًا قائمًا على المواطنة والتعددية، بدلًا من المحاصصة القبلية التي أعاقت تطور المؤسسات.
ويبرز استكمال الدستور كخطوة محورية في هذا المسار، إذ يُعد الإطار القانوني الذي يؤسس لنظام حكم ديمقراطي واضح المعالم. وفي هذا الاتجاه، بدأت البلاد تشهد خطوات عملية نحو تنظيم انتخابات قائمة على التعددية الحزبية، حيث تم انتخاب مجالس محلية وفق هذا النموذج، في تجربة تُعد الأولى من نوعها منذ سنوات طويلة. وتشير هذه التطورات إلى توجه نحو توسيع هذا النموذج ليشمل مستويات الحكم المختلفة، وصولًا إلى انتخابات وطنية أكثر شمولًا.
ثالثًا: التحول الاقتصادي… نحو كسر دائرة الاعتماد
في المجال الاقتصادي، أدركت القيادة أن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني لا يكتمل دون بناء قاعدة اقتصادية قوية تقلل من الاعتماد على الخارج. ومن هذا المنطلق، تم الدفع نحو استثمار الموارد الطبيعية التي تمتلكها البلاد، رغم التحديات السياسية والأمنية المرتبطة بهذا الملف.
وقد شهد هذا التوجه خطوات عملية، بعد سنوات من التردد، حيث بدأت البلاد تقترب من مرحلة استغلال مواردها بشكل فعلي، وهو ما قد يشكّل نقطة تحول في الاقتصاد الوطني. ويُتوقع أن يسهم هذا المسار في تعزيز الإيرادات الحكومية، وخلق فرص اقتصادية جديدة، رغم الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتحسين بيئة الاستثمار لضمان تحقيق أقصى استفادة ممكنة.
خلفيات النجاح… بين الرؤية والتنفيذ
يرى مراقبون أن ما تحقق من تحولات يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها وضوح الرؤية لدى القيادة السياسية، واختيار فريق حكومي منسجم قادر على تنفيذ السياسات، إضافة إلى مهارات إدارة الأزمات والتعامل مع التحديات المعقدة. كما لعب الدعم الشعبي دورًا مهمًا في توفير بيئة مواتية لهذه الإصلاحات، ما عزز من فرص نجاحها واستمرارها.
خلاصة
تعكس هذه المحاور الثلاثة ملامح مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة الصومالية، قائم على معالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء بحلول مؤقتة. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، والتحديات لا تزال قائمة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الصومال بدأ يتحرك تدريجيًا نحو مرحلة جديدة، عنوانها الاستقرار النسبي والسعي نحو تنمية مستدامة. وهي مرحلة، إن كُتب لها الاستمرار، قد تعيد رسم ملامح الدولة وتفتح آفاقًا أوسع أمام مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

