تشهد جمهورية الصومال الفيدرالية مسارًا متدرجًا نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار، رغم تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة. وبينما تتباين التقييمات السياسية حول حجم الإنجاز، تشير الوقائع الميدانية إلى تحولات لافتة على أكثر من صعيد.
أمن واستقرار العاصمة
تتمتع مقديشو بدرجة أعلى من الاستقرار مقارنة بسنوات سابقة، مع تراجع ملحوظ في حوادث الاستهداف السياسي للسياسيين أو المنازل، واتساع هامش النشاط الحزبي والنقاش العام. ويعزو مراقبون ذلك إلى إعادة تنظيم المنظومة الأمنية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، فضلاً عن رفع حظر السلاح المفروض على البلاد منذ عام 1993، في خطوة اعتُبرت تحولًا نوعيًا يعكس ثقة دولية متزايدة في قدرة الدولة على إدارة ملفها الأمني.
الجيش والمواجهة مع الإرهاب
شهدت قدرات الجيش الوطني الصومالي تطورًا ملموسًا عبر التدريب والتجهيز وإعادة الهيكلة، بالتوازي مع عمليات ميدانية أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من قبضة حركة الشباب وتنظيم داعش. هذه الإنجازات عززت الأمن الداخلي وفتحت المجال أمام تنمية مستدامة، وهو ما يتوازى مع جهود الدولة لرفع جاهزية مؤسساتها الدفاعية وتحقيق الاستقلالية في إدارة الأمن.
السياسة المحلية والدستور
شهد عام 2025 تنظيم انتخابات المجالس المحلية، بما في ذلك إجراء الانتخابات في مقديشو للمرة الأولى منذ أكثر من خمسين عامًا، في خطوة وصفها المراقبون بأنها محطة مفصلية لإحياء الإدارة المحلية وتعزيز الديمقراطية على المستوى البلدي. في الوقت نفسه، تمكنت الحكومة الصومالية من استكمال مراجعة الدستور المؤقت، وهو ملف سياسي حيوي ومطروح منذ عام 2012. هذا الإنجاز يفتح آفاقًا واسعة للصومال على صعيد الاستقرار السياسي، والأمني، وجذب الاستثمارات الخارجية، ويشكل قاعدة دستورية صلبة لبناء مؤسسات الدولة وترسيخ النظام الفيدرالي.
الاقتصاد والاستثمارات
حققت البلاد تقدمًا في ملف إعفاء الديون، ما أعاد دمجها في النظام المالي الدولي وفتح المجال أمام استثمارات جديدة. كما بدأت عمليات استكشاف النفط، مع توقعات رسمية بظهور نتائج أولية خلال عامي 2026–2027، وهو ما قد يشكل منعطفًا اقتصاديًا هامًا في حال تأكدت المؤشرات الإيجابية.
البنية التحتية والتنمية
شُيدت طرق جديدة في العاصمة، وأُعلن عن مشاريع كبيرة تشمل مرافق خدمية ومراكز تكنولوجية متقدمة، ضمن خطة شاملة لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات العامة، وهو ما يعكس التوجه نحو بناء قاعدة متينة للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
الدبلوماسية والعلاقات الدولية
عززت الصومال حضورها في المنظمات الإقليمية والدولية، ووسعت شبكة علاقاتها الثنائية، في مؤشر على عودة الدولة الفاعلة إلى المشهدين الإقليمي والعالمي بعد سنوات من العزلة النسبية. هذا التوجه الدبلوماسي يدعم مسار الاستقرار ويساهم في فتح أبواب جديدة للاستثمار والمساعدات الخارجية.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم هذه الإنجازات، لا تزال بعض الأصوات السياسية تعتبر وتيرة الإصلاح بطيئة، خاصة في ملفات العدالة الاجتماعية وترسيخ الفيدرالية بشكل كامل. في المقابل، يرى أنصار الحكومة أن ما تحقق خلال الفترة 2022–2026 يمثل تحولًا نوعيًا، وأن البلاد تسير نحو مسار مستدام من التقدم والازدهار.
الخلاصة
تُظهر مؤشرات السنوات الأخيرة أن الصومال حقق تقدماً ملموسًا على مستويات الأمن والسياسة والاقتصاد والبنية التحتية، مع إنجاز استثنائي يتمثل في استكمال مراجعة الدستور المؤقت. ورغم التحديات، تبقى رؤية التقدم والاستقرار والازدهار هي الأقرب إلى الواقع، فيما يرتبط نجاح الدولة بشكل مباشر بقدرتها على تحويل المكاسب إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين وترسيخ الاستقرار المؤسسي على المدى الطويل.

