القرن الأفريقي في مرمى الأهداف: تحليل للعوامل الكامنة وراء التهديدات المتصورة تجاه السيادة الصومالية
=============
يتمتع القرن الأفريقي، والصومال في قلبه، بأهمية جيوسياسية عميقة الجذور، تعود إلى فجر الحضارات وطرق التجارة القديمة. فانتشار الإسلام المبكر فيها والروابط التاريخية مع محيطها الجيوسياسي شكلا إرثاً ثقافياً ودينياً متماسكاً. ومع ظهور الدولة الحديثة بعد الحقبة الاستعمارية، واجهت الصومال، التي تجمعها لغة واحدة ودين مشترك وإثنية موحدة إلى حد كبير، تحديات معقدة في بناء مؤسسات وطنية قوية وسط تركة التقسيم الاستعماري والأنظمة الاجتماعية التقليدية.
لطالما اتسم الموقف الصومالي الرسمي والشعبي بتضامن ثابت مع القضية الفلسطينية وموقف نقدي تجاه إسرائيل. في ضوء هذا السياق التاريخي والسياسي، يثار تساؤل حول الدوافع المحتملة وراء أي توجهات قد تنطوي على تهديد لوحدة الصومال وسيادته، كما يرد في بعض التحليلات.
تحليل الدوافع المفترضة:
يرى محللون أن عدة عوامل متشابكة قد تشكل خلفية لهذه التهديدات المتصورة:
1. الإرث التاريخي للصراع: يُنظر إلى الموقف الصومالي التاريخي الداعم للقضية الفلسطيني كعامل يغذي حالة من التوتر والعداء من قبل بعض الأطراف تجاه الصومال.
2. تحالفات إقليمية متغيرة: تلقي التحالفات السياسية المتطورة في المنطقة بظلالها، حيث قد يشجع وجود دعم، ولو محدود، من بعض الدول العربية أو غيرها، على تبني سياسات أكثر عدوانية.
3. تحول في النظام الدولي: يشهد العالم تحولاً من نظام قائم على ثنائية القطب أو هيمنة أحادية إلى فوضى استراتيجية متعددة الأقطاب، حيث تتراجع هيبة القانون الدولي لصالح منطق القوة والمصالح الضيقة.
4. الطموحات الاستراتيجية والعسكرية: ترتبط الأهمية الاستراتيجية للموقع الصومالي المطل على مضيق باب المندب والمحيط الهندي بطموحات القوى الإقليمية والدولية للهيمنة أو إنشاء نقاط ارتكاز عسكرية وأمنية.
5. استغلال حالة الضعف الداخلي: يُعتقد أن حالة الانقسام السياسي والضعف المؤسسي التي عانت منها الصومال لعقود قد تشكل حافزاً لبعض الأطراف لاستغلال الموقف، وربما حتى التخطيط لسيناريوهات جيوسياسية خطيرة كإعادة التوطين القسري.
6. مخاوف من تحالفات إقليمية جديدة: قد يثير تعزيز العلاقات الاستراتيجية والتعاون العسكري بين الصومال ودول إقليمية كتركيا مخاوف أطراف أخرى، تسعى للحفاظ على نفوذها أو منع ظهور قوى منافسة في المنطقة.
خارطة الطريق المطلوبة: نحو صومال أكثر قوة ووحدة
لمواجهة هذه التحديات وتعزيز المنعة الوطنية، يقدم الخبراء والمحللون عدة توصيات:
1. دبلوماسية استباقية واعية: تعزيز الجهود الدبلوماسية النشطة لإبراز أي انتهاكات للسيادة الصومالية على الساحة الدولية، وعزل أي طرف يسعى لتقويض استقلالية القرار الصومالي، مع إعداد العدة لمواجهة احتمالية وجود دعم خارجي لمثل هذه الجهود.
2. تكريس الوحدة الوطنية أولوية قصوى: المضي قدماً في عملية المصالحة الوطنية الشاملة بقيادة الحكومة الفيدرالية، وبناء الثقة بين المركز والأقاليم، ووضع المصلحة الوطنية العليا فوق الخلافات السياسية والمصالح المحلية.
3. استثمار طاقات الشباب: توجيه طاقات الشباب الصومالي الهائلة نحو البناء والتنمية، وتأهيلهم فكرياً ومهنياً ليكونوا حائط صد في وجه محاولات النيل من وحدة البلاد وهوية أبنائها.
4. سياسة خارجية موحدة: ضبط وإدارة العلاقات الخارجية تحت مظلة وزارة الخارجية الاتحادية، لضمان عدم وجود تصرفات فردية من قبل الأقاليم قد تضر بالمصلحة الوطنية العليا أو توفر منافذ للتدخل الخارجي.
5. دعم مساعي الوحدة الطوعية: إعطاء أولوية دبلوماسية وسياسية للقوى الصومالية في جميع الأقاليم، خاصة في الشمال، التي تؤمن وتعبر عن رغبتها في الوحدة ضمن النظام الفيدرالي، ودعم حوار وطني شامل حول مستقبل العلاقة بين الأقاليم.
6. تقوية النموذج الفيدرالي: دعم استقرار وتطور الأقاليم الفيدرالية القائمة، مثل إقليم شمال شرق الصومال، وتسهيل إقامة أقاليم جديدة بناءً على إرادة السكان المحليين وبما يتوافق مع الدستور، مثل إقليم أودال، لتعزيز التمثيل العادل وإدارة الحكم.
اخيرا
تواجه الصومال تحديات جسيمة، لكنها تمتلك أيضاً مقومات الصمود. مفتاح المستقبل يكمن في تحويل التحديات إلى فرص عبر بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الوحدة الداخلية، واعتماد دبلوماسية ذكية تحمي السيادة وتدير العلاقات الإقليمية والدولية بموازنة وحكمة. الاستجابة لهذه التحديات تتطلب إرادة سياسية جامعة، وعقداً اجتماعياً جديداً، والتزاماً من جميع الصوماليين بحماية وطنهم ومصيره المشترك.
الكاتب: الدكتور أحمد نور محمد عبدي
المستشار السياسي لرئيس الوزراء الصومالي السيد حمزة عبدي بري



















