القَبُوريّون بين التوظيف السياسي وتشويه التصوف

المزيد للقراءة

القَبُوريّون بين التوظيف السياسي وتشويه التصوف

أمس قُتلنا باسم «القَبُوريّين»، لكن اليوم أولئك الذين أطلقوا علينا هذا الاسم لم يبقَ منهم أحد.

اسم «القَبُوري» الذي يُستخدم لتشويه الطرق الصوفية ليس مصطلحًا نشأ طبيعيًا من فهم الدين الإسلامي، بل هو رمز سياسي صُمِّم بعناية، واستُخدم لتفكيك النسيج الديني والاجتماعي في الدول الإسلامية. تاريخيًا، كلما استُهدف المجتمع لتغييره أو تقسيمه أو القضاء عليه، كانت وراء ذلك أجندة سياسية ممولة بالمال والفكر.
فكرة أن «الصوفية قبوريون» تم تمويلها، مباشرة وغير مباشرة، من قبل دول عربية ومنظمات دولية لها مصالح خاصة في توجيه الفكر الديني في العالم الإسلامي ومناطق النزاع. الصوفي لا يعبد القبور، بل يعبد الله سبحانه وتعالى، كما اتفق على ذلك جميع علماء أهل السنة عبر التاريخ وفي كتبهم، وعبادة غير الله تُعد شركًا عظيمًا.
وعندما بدأ تنفيذ هذا المخطط، كان الهدف الحقيقي منه إضعاف الدول التي تتبع مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي والإمام مالك بن أنس، وهما من بين الأئمة الأربعة الكبار في أهل السنة، وكانا فقيهين وعالمين أسّسا نظام الشريعة الإسلامية.
معظم الدول التي تتبع هذين المذهبين تقع في مناطق استراتيجية غنية بالموارد الطبيعية، وتعاني اليوم من اضطرابات سياسية وحروب وتدخلات أجنبية. هذه الحالة ليست مصادفة، بل هي نتيجة لتقاطع مصالح دينية مُسيَّسة ومصالح اقتصادية خفية.
في الصومال وليبيا واليمن والسودان، وهي دول تتبع مذاهب الإمام الشافعي والإمام مالك، جرى استهدافها بشكل خاص لمنعها من استغلال مواردها الطبيعية بشكل مستقل.

فالصومال بموقعه الاستراتيجي وموارده غير المستغلة بالكامل، وليبيا بمواردها النفطية الهائلة، والسودان بأراضيه الزراعية ونفطه ومعادنه، جميعها استُغلت فيها صراعات دينية وسياسية زائفة لكسر وحدتها الوطنية وتسهيل التدخل الخارجي.

وفي أواخر السبعينيات، بدأت حملة منظمة لتجنيد الشباب الصومالي للدراسة في الدول العربية، حيث جرى تعديل فكرهم الديني، وطُبعت لهم كتب، وأُنشئت مؤسسات خيرية اندمجت بسلاسة في المجتمع الصومالي لتعزيز ثقافة التفكيك. ودون أن يُمنح هؤلاء الشباب فهمًا دينيًا عميقًا أو عقلًا فلسفيًا ناقدًا، زُرعت فيهم كراهية تجاه ثقافتهم ودينهم. وفي النهاية، أدت هذه الفكرة الخبيثة إلى ألم اجتماعي وانقسامات وسفك دماء راح ضحيته ملايين، ومن بقي منهم أصبح مشرّدًا في بلده. وعندما يُسأل الشاب الذي تم تهيئته: لماذا تقتل مسلمًا آخر؟ غالبًا تكون إجابته كلمة واحدة: «لأنه قبوري»، دون أي معرفة دينية صحيحة.
وفي الإسلام، قتل المسلم أمر جسيم يتطلب دليلًا شرعيًا واضحًا، إذ قال الله تعالى: «مَن يقتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا». والتكفير له قواعد صارمة ومرجعيات دينية واضحة كما في القرآن والسنة والإجماع. وعندما يقوم شخص غير عالم مستقل، بل موظف يتبع مؤسسة أو أجندة أجنبية، بإطلاق هذه التهم، فإن هذا الفعل ليس جهادًا ولا دينًا، بل «تطهير عرقي» يُغلَّف باسم الدين، وهو عمل محرّم شرعًا.

وأجمع أكاديميون من جامعات كبرى في العالم على أن معظم الدول التي تدخلت فيها الإمارات أو عقدت معها صفقات أمنية واقتصادية هي دول يتبع غالبية شعبها مذاهب الإمام مالك والإمام الشافعي. وهذا يدل على أن الهجوم على الصوفية وعلماء السنة التقليديين لم يكن مجرد خلاف ديني، بل مخططًا واسعًا لتدمير الهوية الدينية للصوفية، ووحدة المجتمع، واستقلالية هذه الدول الاقتصادية.
وحتى الدول العربية نفسها دخلت هذه السياسة لمصالحها، لكنها اليوم هي من سقط في الفخ وتقاسمت اللعبة. وانتهت لعبة «القَبُور» بأن أصبحت الإمارات والسعودية مثل توم وجيري.

ماها حسين
ماها حسين
دكتوره في الفلسفة السياسية الاخلاقية

Share

اقرأ هذا أيضًا