النداء الذي جاء من آخر الضوء
كان النهار يسترخي على كتف الظهيرة، والسكينة تنسج خيوطها في أرجاء المكان، حين شقَّ رنين الهاتف هذا الهدوء كما تشقُّ الريح صفحة ماء ساكن. رقم غريب لمع على الشاشة، فتركته ينساب إلى الصمت. لكن ما لبث أن تبعه نص قصير، يحمل وقار الكلمات القصيرة ذات الأثر الكبير:
« عمو… أنا نورادين فارح. أودّ محادثتك. الرجاء معاودة الاتصال.»
توقفتُ عند الاسم كما يتوقف القلب عند خبطة غير متوقعة. نورادين؟ أيّ نورادين؟ كان السؤال يتردد مثل صدى بعيد… ثم مضيت عنه. لكن الهاتف عاد يرنّ، بإصرار لا يشبه إلا الأقدار حين تقرر أن تقترب.
فتحت الخطّ، وإذا بصوت يخرج من عمق الزمن، صوت يشي بتجربة طويلة، ولهجة لا تخطئ جذورها:
“ عمو… أنا نورادين فارح. قرأت بعض مقالاتك مؤخراً، وسرّني ما وجدته من نَفَسٍ كتابي وتحليل عميق. كنت أظن أننا من بقي من آخر الحرف، لكن يسعدني أن أرى دماً جديداً يرغب في حمل الشعلة.”
عند تلك اللحظة، كان العالم يتقلّص إلى تلك الكلمات، والدهشة تفتح في الروح باباً واسعاً. أيمكن؟ أهذا هو نورالدين فارح… نفسه؟
“نعم يا عمو.” قالها كمن يضع نقطة نهائية على كل شك.
تبادلنا التحايا كمن يخطو على أطراف حلم. سألني عن مكاني، فقلت: «في جيجغا.» فقال بهدوء الرجل الذي يسكن أطراف العالم: «وأنا في كيب تاون.»
وهكذا، بدأ المشهد الذي ما كنتُ لأصدّقه لو روي لي في حكاية. لقاءٌ من وراء المسافات، لكنه كان أعمق من أي قرب. فتح لي نورالدين باباً إلى عالمه؛ عالم الكلمات التي تُقال على مهل، ودروس الكتابة التي لا تُشترى، وحِكم السنوات التي عاشها متنقلاً بين المنافي والمخاطر والأسئلة.
في خضم الحديث، سألني، بصوته الرزين:
“هل كتبت عن الصراعات بين الصوماليين والأورومو؟”
أجبته بصراحة من يعرف حساسية الجرح:
“لا… تجنبت ذلك. الموضوع شديد التعقيد.”
فقال كمن يربّت على كتفٍ في الظلام:
“لا بأس… أنا أفكّر منذ زمن في الكتابة عن هذا الموضوع. وأريدك أن تكون معي في هذا العمل.”
تلك الجملة كانت كنجمة تسقط في كفّك دون سابق إنذار. كيف يُرفض نداء من هذا العلو؟ كيف يُردّ طلب من رجلٍ صنع مجده بالكلمات، وبنى مجد الآخرين بالمعرفة؟
إن نورالدين فارح — لمن لا يعرف سحره — ليس كاتباً وحسب؛ إنه ذاكرة تُكتب، وصوت تتقاطع فيه لغات خمس، ورحلة امتدت من «من ضلع معوج» إلى ضفاف العالم. كل رواية من رواياته تشبه باباً إلى روحٍ أخرى: هوية، منفى، سلطة، امرأة تبحث عن خلاص… وطن يولد ويتهشم ويعود في هيئة حكاية.
من إبرة عارية إلى ثلاثية الدكتاتورية، ومن دم في الشمس إلى الجوائز التي حملت اسمه إلى منصات العالم — ظلّ نورالدين محفوراً في ذاكرة الأدب كطائرٍ يرفض الهبوط، وكاتبٍ يقترب من نوبل كلما تنفّست الكتب.
واليوم… يدعوني لأقف معه أمام موضوع عصيّ، حساس، يحتاج إلى صدقٍ أكثر مما يحتاج إلى جرأة. دعوةٌ تشبه حلماً يمشي على قدمين.
أشعر أن الأقدار وضعت في يدي مفاتيح باب لم أكن أجرؤ على طرقه. وأعد نفسي — قبل أن أعد الآخرين — أن أسير في هذا الطريق بكل ما أملك من حبٍّ للحرف، وبكل ما أملك من إخلاص للحقائق التي تستحق أن تُروى.
الكاتب/ مختار إسماعيل

















