تاريخ اللغة العربية في الصومال:
إن اللغة العربية في القرن الإفريقي ليست من اللغات الدخلية بل هي اللغة الأولى والثانية في هذه المنطقة.
وفي الماضي القريب كانت لغة التواصل والمعاملات والثقافة وكانت تحظى بأهمية وعناية فائقة حتى أحكم الإستعمار الأوروبي قبضته في المنطقة وتوغل في أدنى تفاصيل الشعب، وحارب اللغة العربية بكل ما أوتي له من قوة واستمر على محاولاته بفصل العامة من التعاليم الدينية التي كانت تستمد اللغة العربية قوتها وصلابتها منها وأبدى للناس أن لغة الثقافة والحضارة ليست العربية وإنما الإنجليزية والإيطالية حتى اشتهرت المقولة الإستعمارية التي تقول ” تعلم الإنجليزية للعمل والإيطالية للشتيمة والعربية للتسول” .
مما يوضح لنا مدى مكافحة القوى الإستعمارية للعربية كما قام في كثير من البلدان التي تمكن السيطرة عليها.
ومع كل تلك الجهود المعادية إلا أن شعلة اللغة العربية لم تنطفئ من أرجاء البلاد ولم يستطع الإستعمار أن يلجم أفواه معلمي الحلقات العلمية وأصحاب الكتاتيب بأفكاره وآرائه الطاعنة الطاحنة.
حتى بعد الإستقلال لم تزل اللغة العربية تزاحم ساحة اللغات التي ورثتها النخبة السياسية من الإستعمار وكان الشعب وعشاق لغة الضاد من النخبة السياسية و رجال الدولة يطالبون بأعلى صوت بكتابة حروف اللغة الصومالية بالعربية حتى لا تضيع صلتهم ولا تنفصل الرابطة بينهم وبينها العربية.
ونظرا لهذه الإسباب لم يجرؤ أحد على طرح فكرة كتابة الأبجدية الصومالية باللاتينة خشية غضب شعبي عارم لما لهم من صلة وطيدة بهذه اللغة.
في عهد الحكومة العسكرية قامت الحكومة بتنفيذ مبدء تبني واعتماد اللغة الصومالية بالأبجدية اللاتينة وأرسلت بعثات وحملات قوية إلى كافة الأقاليم لنشر تلك الأبجدية ببرنامج أسمته”محو الأمية” مما كان بدوره ضربة قوية لمكانة اللغة العربية في البلاد، وفي نفس الوقت تم تغيير اللغة الوطنية التعليمية إلى الصومالية فبدأ دور العربية بالتقلص إلى أن انضمت الصومال إلى الجامعة العربية وأشرقت شمس العربية من جديد في القرن الإفريقي وتوجهت البعثات المصرية الأزهرية والمدنية بافتتاح معاهد تخرج منها عدد كثير من الطلبة وأصبح للإخوة العرب باع طويل في مجال التربية والتعليم، ونفوذ قوي في السياسات التعليمية وكان آنذاك مبدأ القومية العربية في أوج ازدهاره ونموه.
-العصر الذهبي للغة العربية في الصومال
بعد سقوط الحكومة المركزية ظهر فجر جديد للغة العربية مع تدخل الهيئات الإغاثية العربية وشاركت كثير من الدول حملة إعادة الأمل إلى الصومال ، وكان هذا بمثابة الضوء الأخضر لتلك اللغة التي أحكمتها القيود من شعب متعطش لها ومتلهف لملاقاتها.
تقلب الأحداث وسوء الأوضاع السياسية لم يقلل من حظ اللغة العربية بل زادها أهمية وتحولت جل المناهج التدريسية من الصومالية إلى العربية وكأن الشعب يقول: لا حاجة لنا لغير العربية ما دامت هي موجودة، وافتتحت دورات تقوية خاصة للغة العربية في محافظات العاصمة وقويت صلة الشعب الصومالي بالدول العربية وتوجه معظم رجال الأعمال إلى الإمارات حتى أثبتو وجودهم في دبي، وأصبحو رقما صعبا في القطاع التجاري هناك ووفدت بعثات تعليمية كثيرة إلى السودان ومصر والسعودية لرفع مستواهم المعرفي والإقتباس من الثقافات العربية.
وظهرت جماعات إسلامية تكاد تصبغ البلاد بالهوية العربية والثقافة الإسلامية وتستنكر كل ما هو ليس عربيا، وكل مشروع يهدف إلى تهميش اللغة العربية ، وكانت تلك الأحداث المتعاقبة بمثابة إرساء قواعد العربية في الصومال عموما وفي العاصمة خصوصا.
- الإنحطاط والذبول
في العقدين الأخيرين من القرن الجاري بدأت سرعة إنتشار اللغة العربية تخف رويدا رويدا وتباطئ سيرها فقل تأثيرها ومزاحمتها لغيرها من اللغات وأزيلت من اللافتات العامة حتى يخيل للوافد الجديد أنها لم تكن يوما اللغة الرسمية للبلاد خصوصا العاصمة
فقد اختفت مراكز تعلمها ودورات التقوية التي كانت تكتظ بالطلبة والإقبال الكبير عليها لن تراه في العاصمة ولا في الأقاليم ربما لأسباب أذكر منها ما يلي :
- أسباب التعاسة وسوء الحظ الذي حالف اللغة العربية في الآونة الأخيرة
هناك عدة أسباب تراكمت حتى أدت إلى أن تخفي العربية عن الأنظار وحولتها من السعادة إلى الشقاوة ومن الرخاء إلى البؤس، هذه الأسباب بعضها أتت من أصحابها وأبناءها الذين لم يعطوها ما تستحق منهم وقللو من شانها
وثمة اسباب داخلية كثيرة ساهمت في تعاستها وأهمها
- تقلص فرص العمل بالعربية، وانحصرت فرصها بالتدريس بدلا عن الترجمة والإدارة والمراسلة ومجالات عدة كانت العربية المحور الأساسي للعمل ، فكانت هناك منظمات عديدة ومنشئات مختلفة وهيئات حكومية وأهلية تعتمدها كلغة العمل مماكان يتيح الفرص للمتمكنين من اللغة العربية.
- تحول الوجهة التعليمة من عربية محضة إلى أنجليزية خالصة وذالك بمساعدات من الجهات التي تسعى إلى النيل منها والحط من شأنها
- الترويج إلى عدم مواكبة العربية لمتطلبات وغايات العلوم والحداثة، واتهامها بالجمود والتخلف.
- الإنبهار بثقافة المغتربين العائدين من الدول الغربية لا سيما أوروبا وأمريكا والتطلع إلى حضارتهم وتقليد طريقة عيشهم وتعليمهم.
كل هذه الضغوط التي تم ممارستها بشكل ممنهج بحق للغة العربية وأصحابها كان أكثر إلحاقا بالضرر من دق المطرقة على الرأس .
مع تدني سوق العمالة بالعربية وعدم الإقبال عليها هجر علماء ورواد اللغة وعزفو عن العمل بها واحترفو مجالات أخرى.
كما احترفت فئة لا تعرف عن العربية إلا القليل مجال العمل بالعربية والتدريس فأصبح الطلاب كمن يمشي مكبا على وجهه لا يعرف كوعه من بوعه، لايميز الفارسية عن العربية والمناهج التدريسية لا تخدم العربية مما يكفي حتى أصبحت حصصها أصعب من رفع الأثقال إلى قمم الجبال.
غزت أفكار أجنبية تنتشر في اوساط الطلبة على حساب النيل من العربية ووصفها باتفه الصفات وأحقرالنعوت فترى طالب جامعي درس الثانوية بالعربية ويفتخر بمرحلته الجامعية بأنه لايجيد عن العربية شيئا ذالك فقط لإرضاء أصحاب هذا الغزو الفكري ، وكثرت في أوساط الشباب خلط العبارات بكلمات إنجليزية ليقال : ” هذا شاب مثقف” وترى مدرس مادة اللغة العربية يخلط شرحه بعبارات إنجليزية.
كادت الكليات المعنية بتدريس اللغة العربية أن تغلق إلا أن السنوات الخمس الأخيرة أحس العلماء وأصحاب الحلقات العلمية الخطر الذي يحدق باللغة العربية وعشاقها وأبناءها واستشعرو بأن هذه اللغة أمانة ملقاة على عاتقهم وأنها تتلفظ آخر أنفاسها فافتتحو معاهد عربية ودينية تركز فقط على الثقافة الإسلامية العربية ووجهو حملات ممنهجة لصد تلك الأفكار المعادية لهم ولم يعكفو على جانب التدريس فقط بل اهتمو على نقض ما بنته الإدعاءات وما رسمته في ذاكرة العامة من الحط من العربية فعادو الكرة وأعادو للغة العربية مجدها القديم بعد غفلة كادت تطمس معالم اللغة العربية في الصومال.

