“حديقة الشياطين”
لو كان لوثائق إبستين حسنةٌ واحدة، فهي أنها قدّمت بالصورة والصوت والكلمة ما يشبه الشفرة السرّية لإدارة السلطة بعد القرن الثامن عشر، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي: الجنس في إدارة السلطة، والسلطة في إدارة المعرفة، والمعرفة في إدارة المُتع، والمُتع في إدارة الشعوب. أما الأخلاق والدين، فليس لهما مكانٌ في هذه المعادلة.
لذلك، مهما تنوّعت التأويلات التي سعيتُ من خلالها إلى تحليل وثائق إبستين، فإن هذه الوثائق تبدو مشبعة بمنطقٍ آخر؛ منطقٍ لا مكان فيه لهاجس العدالة، ولا لاستعادة الحس الإنساني في ممارسة السلطة، ولا للعودة إلى الأصالة والجذور. فكل ما في الأمر هو صراعٌ بين أبطال هذه الشفرة وصنّاعها حول من يقترب من دائرتها، ومن يُقصى خارجها.
أما الوحشية والبهيمية التي تتبدّى في الوثائق، فهي مفهومة إذا أدركنا أن السلطة الغرب في القرنين الأخيرين باتت سلطةً فردانية، تقوم على بطولة الفرد، وتستند إلى فلسفة ترفض الأصل وتكره المرجعيات. والإنسان بلا مرجعيات يصبح فارغ المعنى، متساويًا مع الآخرين في خوائه، والوصول إلى السلطة يستلزم الفوقية والتميّز المطلق، فيبحث الراغب في السلطة عن مرجعيةٍ خاصة به، تتّسم بالغموض، وتوحي لأتباعه أنه متفرّد.
ومن هنا يذهب إلى عالم الطقوس؛ وهو ما يذكره بول غيولوجي في كتابه الطب والسحر: أن الطقوس تمنح الإنسان قدرةً على التميّز عن محيطه، وأنه كلما ارتفعت شهوة التميّز ازدادت غرابة الطقوس التي يمارسها.
وكفران الغرب بالمرجعيات الدينية والتاريخية وضعه في حالةٍ من الفراغ الروحي والفكري، وهي الحالة التي مهّدت لظهور فلسفات وأفكار مثل افكار ديكارت والجسد، والماركيز دي ساد وقصصه، وميشيل فوكو وافكاره في المعرفة والسلطة، وماكس فيبر وعقلانيته، وفرويد وعقدة الجنس، وغيرهم؛ من الذين صاغوا تصوراتٍ لتكون بديلًا عن المرجعيات الراسخة، وتتسامح—بقصدٍ أو دون قصد—مع البهيمية في الممارسات المغلقة.
ولو كان لإبستين حسنةٌ أخرى أخيرة، فهي أنه أبطل سحر انبهار الشعوب غير الغربية ببريق القوة الغربية، وهدم بصورةٍ واحدة جهدَ عشرات السنين لمنظمات حقوقية وإنسانية، وأثبت أن القانون—الذي كان يُفترض أن يكون تحالف الضعفاء والعقلاء ضد الأقوياء—ليس إلا وسادة ينام بها من يعرف كيف يصل إليها أولًا.
د. فاطمة حوش
5/2/2026

