*حين تصبح الشعبية حصانةً من النقد: لا تنتقد رأيَ من له جمهور في الشارع !

المزيد للقراءة

من الظواهر التي تستحق التأمل وفتح باب الحوار والنقاش في واقع المجتمع الصومالي ذات العلاقة بالمجال السياسي والاجتماعي والثقافي والديني، أن يتحول امتلاك الإنسان جمهوراً كبيراً يدين له بالولاء وقبول رأيه السياسي أو الديني بدون مناقشة، إلى نوع من الحصانة غير المعلنة التي تحول بينه وبين الاستدراك عليه أو نقده ومراجعته.

إن هذا الحضور الجماهيري الذي يتمتع به هؤلاء المشاهير من بعض العلماء والسياسيين والمفكرين، يتجاوز دور أنصارهم ومؤيديهم حدود الاحترام والتقدير، بل إلى مرحلة يصبح نقد رأيهم أمراً غير مقبول ولا مستساغ، لأنه طريق إلى استهداف شخوصهم وانتقاص مكانتهم.
فمثلاً، إذا انتقد شخص مغمور غير معروف بين الناس، أحداً من أصحاب الشهرة الكبيرة، في مسألة علمية لا يجيدها إلا طلبة العلم والعلماء والدعاة، وليس للعامة نصيب في الكلام عنها، وعرض صاحب النقد مآخذه بأسلوب واضح لا لبس فيه ولا حرج، فإن جمهور الناس لا ينظرون إلى وجاهة كلمته أو صدق لهجته أو صواب منطقه أو سلاسة فكرته، حين يناقش المسطور ويحلل المنطوق ويحاول أن يبين أنه لا تناقض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وأن المسألة المثارة لم تجد حقها في التمحيص والتحقيق، وأن الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال يعرفون موضعهم من الحق وتعاطيه من دون محاباة.
كثير من الناس يقارنون بين الاسمين وما يحظى كل واحد منهما من جمهور وشعبية، لا بين المنطقين وما يُدلى من رأي وفكرة وتحليل، فيجدون أن أحدهما مشهور ومعروف بين الناس والآخر مغمور لا يكاد يعرفه أحد، فلأجل ذلك يصبون جامّ غضبهم عليه، فيتهمونه بالبحث عن الشهرة والتنكر لمقامات الفضلاء حسداً وحنقاً، لذا يحجم الجميع عن مناصرته أو التخفيف عنه فضلاً عن الدفاع عنه، وتتحول المسألة إلى معركة بين اسمين ورسمين لا بين رأيين وفكرتين، فينتصر صاحب الجمهور، وينهزم المغمور، بسبب رأي الشارع، لا بمنطق الحجة، لأن العاطفة تتغلب على الحكمة، وحب الأشخاص يُستعاض به عن بحث الحقيقة.
فكن على حذر، فإن الزمن زمن الأسماء والأشخاص لا زمن الفكرة والتعقل.
وفي بعض الأوساط الدعوية، من الصعب بمكان انتقاد أو استدراك رأي داعية ذي جمهور واسع، لأن ذلك يُفسر بأنه طعن في الدعوة أو استهداف للتيار والحركة التي ينتمي إليها أو غير ذلك من الوساوس التي لا أساس لها، مع أن مناقشة آراء العلماء والدعاة المجردة لا تعني بالضرورة الانتقاص من علمهم أو جهودهم أو مكانتهم بين الناس.
إن امتلاك الداعية جموعاً غفيرة أو جمهوراً كبيراً في الشارع لا يعني أنه يملك احتكار الحقيقة التي تحميه من مناقشته والاستدراك عليه.
غير أن الشخصية الواثقة من نفسها لا تخاف من النقد، بل ترحب بكل نصيحة ولو كانت غير مهذبة وخارجة عن لياقة الحوار والمناقشة الصحيحة.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس كثرة الاختلاف في الآراء، وإنما هو عندما يصبح بعض أصحاب النفوذ والشعبية من العلماء والمفكرين والسياسيين فوق النقد والاستدراك عليهم، وأن تتحول قوة الجماهير من دفاع الحق إلى قوة لحماية الأشخاص والدفاع عنهم.
وأخيراً، فلا ينبغي أن تكون كثرة الأنصار دليلاً على صحة الأفكار والآراء، ولا الشعبية الجارفة بديلاً عن الحجة، ولا أن يصبح احترام الأشخاص سبباً لإسكات من يخالفه أو ينتقده .
عبدالباسط شيخ إبراهيم
يوم الأحد في ١٤٤٨/٥/٢٨هـ
الموافق في ٢٠٢٦/١١/٨م

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

د.عبد الباسط شيخ إبراهيم
د.عبد الباسط شيخ إبراهيمhttp://qiraa
كاتب مهتم بالشؤون الفكرية والدعوية

Share

اقرأ هذا أيضًا