دوامة الخلافات في السياسة الصومالية… حين تفشل التجارب في صناعة الدولة

المزيد للقراءة

منذ عقود، تعيش الساحة السياسية في الصومال على وقع خلافات متكررة تكاد تكون نسخة مكررة من أزمات سابقة، دون أن تفضي إلى دروس حقيقية أو تحولات بنيوية في طريقة إدارة الشأن العام. فرغم تراكم التجارب،بما فيها من صراعات، وانهيار مؤسساتي، ومحاولات متعثرة لإعادة بناء الدولة،لا يزال المشهد السياسي أسيرًا لذات الأنماط، وكأن الزمن السياسي لا يتحرك إلى الأمام.

المفارقة اللافتة أن هذه النخب السياسية، التي يفترض أنها الأكثر خبرة واطلاعًا، تبدو عاجزة عن تحويل هذه الخبرة إلى أدوات لإدارة الخلاف أو لبناء توافقات مستدامة. فكل أزمة جديدة تُدار بعقلية الأزمة ذاتها، دون مراجعة جادة لما سبق، ودون إرادة واضحة لتفادي تكرار الأخطاء.
في جوهر الأزمة، لا يتعلق الأمر بنقص المعرفة بقدر ما يرتبط بطبيعة السلوك السياسي السائد، حيث تتقدم المصالح الضيقة على حساب المصلحة الوطنية، ويغيب الإطار المؤسسي القادر على احتواء الخلافات وتنظيمها. وهكذا، يتحول الخلاف، وهو ظاهرة طبيعية في أي نظام سياسي،إلى عامل تعطيل بدل أن يكون أداة للتصحيح والتطوير.
إن بناء دولة حديثة في الصومال لا يمكن أن يتحقق في ظل هذه الحلقة المفرغة. فالدولة لا تُبنى فقط عبر الدساتير والاتفاقيات، بل عبر ترسيخ ثقافة سياسية جديدة، قوامها القبول بالتعدد، والاحتكام إلى المؤسسات، والاستعداد لتقديم التنازلات من أجل الصالح العام.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة السياسية لتبنيها. فالتاريخ الصومالي المعاصر مليء بالدروس، لكن هذه الدروس تظل بلا قيمة إن لم تتحول إلى ممارسات تُنهي زمن الخلافات العقيمة، وتفتح الطريق أمام مشروع وطني جامع يؤسس لدولة قادرة، مستقرة، وعصرية

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا