عندما تولى السيد/حمزة عبدي باري مكتب رئيس الوزراء الصومالي في 15 يونيو 2022، قلّ من توقّع أن يصبح أحد أكثر الشخصيات استقرارًا في تاريخ الصومال السياسي الحديث.
وُلد بري عام 1974 في مدينة كيسمايو الساحلية، التي لطالما كانت مفترق طرق للتجارة والعشائر والنزاعات، وتُعد مسيرته نحو قمة السياسة الصومالية قصة تحددها المثابرة والصبر والإيمان الراسخ بقيمة الخدمة العامة أكثر من كونها عرضًا سياسيًا.
قيادة هادئة بعيدًا عن الأضواء
لا يُعرف حمزة عبدي بري بأسلوب الأداء الاستعراضي أو المواجهات الحادة التي تصاحب كثيرًا من صناع القرار الإقليميين،بل يتميز بشيء أكثر ندرة في السياسة الصومالية: وهي قيادة هادئة،ومتوازنة مدعومة بخبرة طويلة في بناء المؤسسات، سواء في الحكومة أو الأوساط الأكاديمية.
من الفصول الدراسية إلى غرف التفاوض
وقبل أن يظهر في الساحة الوطنية، كان حمزة عبدي بري يشكّل العقول في الفصول الدراسية بعد الحرب. وفي وقت انهارت فيه المؤسسات الحكومية، ساهم في تأسيس مؤسسات جديدة من الصفر. كمؤسس مشارك وقائد أكاديمي في جامعة كيسمايو، ثم كنائب المسجل العام، وأستاذ أول في جامعة مقديشو، وعمل على إعادة إحساس بالاستمرارية لجيل نشأ في خضم الفوضى.
وقادته خبرته المبكرة في شبكة التعليم الخاص الرسمي في الصومال (FPENS) إلى تجربة مباشرة في إدارة التعافي المجتمعي؛ وهي سمة ستصبح لاحقًا محور أسلوبه في الحكم.
وتجاوزت مسيرته الأكاديمية حدود الصومال، حيث حصل على بكالوريوس في إدارة الأعمال من اليمن عام 2001، ثم ماجستير في الإدارة من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا عام 2009. كما ساهمت أبحاثه مع مؤسسات مثل مركز الشاهد للدراسات والبحوث الإعلامية وCPS في ماليزيا في توسيع رؤيته العالمية مع بقائه متجذرًا في الواقع الصومالي.
صعود ثابت في أروقة السلطة
ولم يكن انتقال حمزة عبدي بري من الأكاديمية إلى السياسة مفاجئًا؛ بل كان مدروسًا. ففي 2011، أصبح الأمين العام لحزب السلام والتنمية (PDP)، والذي تحول لاحقًا إلى حزب الاتحاد للسلام والتنمية (UPD). وخلال هذه الفترة، عمل عن كثب مع الرئيس الحالي حسن شيخ محمود لتشكيل أحد أكثر الأحزاب تأثيرًا في الصومال.
وتولى بين 2014 و2019، حمزة عبدي بري أدوارًا استشارية رئيسية في الحكومة: حيث اصبح مستشار أول لشؤون الإدارة لدى عمدة مقديشو، ثم مستشار أول لوزارة الشؤون الدستورية، مما وضعه في قلب النقاشات حول الفيدرالية وإصلاح الحوكمة ومستقبل التسوية السياسية في الصومال.
وعند تعيينه رئيسًا للجنة الحدود والانتخابات المستقلة في جوبالاند عام 2019، خضع لاختبار حقيقي لقيادته، إذ تطلّب منصبه مهارات تفاوض دقيقة في منطقة تتميز بالتحالفات المعقدة والسياسات المتغيرة.
بناء الدولة من خلال المؤسسات
وعندما تولى حمزة عبدي بري رئاسة الحكومة الفيدرالية، كان الصومال يمر بمرحلة انتقالية متعددة الأبعاد؛ من إعادة ترتيب الأمن، إلى مراجعة الدستور، وإصلاحات سياسية. وقد اعتمد أسلوب قيادة منخفض الصوت لكنه استراتيجي، مع تعزيز العلاقات بين الحكومة الفيدرالية والإقليمية.
وتحت قيادته، بدأت الدولة الصومالية باستعادة وظائف طالما اعتُبرت بعيدة المنال حيث أطلقت حكومته أول نظام بطاقة هوية رقمية في تاريخ الصومال عبر إنشاء وتشغيل نظام “نيرا”، وهو إنجاز مهم للتحقق من هوية المواطنين، وتعزيز الشمول المالي والأمن الوطني. كما أعادت الحكومة فتح السفارات الصومالية حول العالم وإصلاحها، مستعادة البصمة الدبلوماسية المفقودة لعقود.
وفي قطاع التعليم، تم توظيف 6,000 معلم وزيادة معدلات التسجيل، ما شكل أكبر توسع حكومي في التعليم العام منذ الاستقلال، ليمنح ملايين الأطفال فرصًا جديدة.
إصلاحات شاملة لإعادة بناء الدولة
وقاد حمزة عبدي بري أيضًا إصلاحات واسعة في الاقتصاد والبنية التحتية والإدارة العامة. فقد زادت الحكومة الإيرادات المحلية، وعززت الحوكمة المالية، ودفعت بالإصلاحات الزراعية لتحسين الأمن الغذائي وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ. وفي مقديشو، أعيد فتح الطرق المدمرة منذ الحرب الأهلية، ما أعاد ربط المجتمعات وأحياء التجارة.
وأصبح ترميم وبناء مقار الوزارات المدمرة علامة رمزية على دولة تعيد ترتيب نفسها ببطء، كما تم توسيع فرص النساء في التعليم والعمل وريادة الأعمال.
صومال أكثر أمانًا واتصالًا بالخارج
وعلى صعيد الأمن والاتصال، كثف حمزة عبدي بري العمليات العسكرية ضد حركة الشباب، موازنًا بين الضغط العسكري والإصلاح المؤسسي. واستعادت الحكومة الثقة العامة عبر توسيع التسجيل للناخبين وتعزيز نزاهة القطاع الأمني. وتم تحديث الإعلام الرسمي وإطلاق مبادرات لمكافحة التطرف الرقمي وحماية الفضاء الإلكتروني.
ودوليًا، استعاد الصومال مكانته، حيث سمحت مزيد من الدول بدخول حاملي الجوازات الدبلوماسية الصومالية دون تأشيرة.
إرث قيادي هادئ وثابت
وبعد ثلاث سنوات من ولايته، يقف رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري كواحد من أبرز قادة الصومال السياسيين في حقبة ما بعد 1991. قصته ليست عن صعود مفاجئ، بل عن صعود متدرج، عبر مؤسسات ساهم في بنائها، وسياسات ساهم في تشكيلها، وساحة سياسية تعلم التنقل فيها قبل أن يتولى القيادة.
وبالنسبة لكثير من الصوماليين، يمثل حمزة عبدي بري نموذجًا جديدًا للقيادة: جسرًا بين العالم الأكاديمي والساحة السياسية؛ بين الهوية الإقليمية والطموح الوطني؛ بين حاضر هش ومستقبل أكثر استقرارًا وأملًا.
ومع انتقال الصومال إلى المرحلة التالية من مسيرته السياسية، سيُقاس إرث حمزة عبدي بري ليس فقط بكيفية حكمه، بل بقدرته على استعادة الثقة بفكرة الدولة الصومالية نفسها، بهدوء، بثبات، وإيمان بأن التقدم لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج.
المصدر: Somali Stream

















