“سقوط الجدار”
لعلّها ليست من أكثر التجارب إجماعًا، ولا من أكثرها سلامةً وحيادًا، لكنها بلا شك من أكثر التجارب قدرةً على كسر جدران القناعات المتوارثة، وإسقاط قِلاع الأفكار والأحكام المسبقة. فإذا كانت برلين قد احتفلت بسقوط جدارها، فإن مقديشو باسم الوطن، وعبر انتخاباتها البلدية السلمية، احتفلت بسقوط توابيت الخوف، وبالخروج من قوقعة العجز، واستعادة الأمل في الحلم القديم.
قد تبدو، في ظاهرها، تجربةً تنتمي إلى سياسة، لكنها في الوعي الجمعي الصومالي أعمق من مجرد صندوق اقتراع، وورقة تصويت، وفائز وخاسر. إنها تجربة إنسانية مكثفة، انصهرت فيها حرارة الجيل، وعذاب المرحلة، وحيوية الشباب، وروعة الحماس، وشهوة التغيير. فالصفوف التي اصطفت خلف صناديق الاقتراع هي أرواحًا قد لا تتلاقى سياسيًا، لكنها تتآلف حول قناعة واحدة: أن الحد الأدنى من التوافق أفضل من الحد الأقصى من براكين الاختلاف.
والحد الأدنى من التوافق لا يعني امتلاك الحقيقة كاملة، ولا بلوغ الصواب المطلق، لكنه يعني الإمساك بجزء من الصواب، ذاك الجزء القادر على أن يقود إلى بعض الحق. وفي السياق العربي والإفريقي، يبقى الوصول إلى عتبة صناديق الاقتراع هو الصواب الغائب، والحق المؤجل. ومن هنا، فإن بلوغ الصومال شيئًا من هذا الحق المنسي يمثل تحولًا راقيًا، وخطوة متقدمة على طريق تمكين الشعب.
وليست هذه المرة الأولى التي أكتب فيها أن الحراك الصومالي في الشأن العام يسبق محيطه، رغم الجراح العميقة التي ترافق مسيرته. غير أن اللحظة التي أدركت فيها ذلك بوضوح كانت بعد مشاركتي في مؤتمر عَرَتِه الأخير، حين استمعت إلى خطاب الرئيس إسماعيل عمر وتوجيهاته الأخوية، في قاعة جمعت الصوماليين جنبًا إلى جنب، على اختلاف تصنيفاتهم السياسية. وبرغم تباينهم الجوهري، رسموا مشهدًا باعثًا على الأمل، مفاده أن القوة التي سيحتكم إليها المجتمع الصومالي مستقبلًا ليست قوة السلاح، بل قوة مداد الحبر، وأن خطابنا الداخل قد تجاوز الكثير.
أخيرًا، صحيح أن هذه الانتخابات، في شكلها الحالي، تظل جزئيةً وغير مكتملة، ومثقلةً بالعديد من الأخطاء، لكنها، شأنها شأن معظم التجارب الصومالية في مختلف جوانب الحياة، تبدأ حبْوًا، وتنمو عبر المحاولة والخطأ، في مسارٍ بطيء لكنه قابل للتطور، ما يتطلب صبرًا سياسيًا، وتراكمًا مؤسسيًا، وإرادةً جماعية تعترف بالنقص دون أن تستسلم له.
د. فاطمة حوش
26/12/2025


















