سلطان قبيلة غَري Garre : ستون عامًا في الحكم وأطول سلاطين الصومال حكما، سلطان ملك قلوب الناس.
منذ فترة، كنتُ أتابع زيارة السلطان محمد بن السلطان الحاج حسن غبابي، سلطان قبيلة غَري العريقة منذ أكثر من ستين عامًا، إلى العاصمة مقديشو، وما لقيه من حفاوةٍ واستقبالٍ يليقان بمقامه الرفيع، ومكانة قبيلته ذات التاريخ العريق والجذور الراسخة في الصومال، وإثيوبيا، وكينيا، وتشاد، والسودان، وبلدانٍ أفريقيةٍ أخرى.
وهو أطولُ سلاطين الصومال في وقتنا الحالي بقاءً في الحكم، فقد تم تتويجه بمنصب السلطان قبل ستين عامًا. وما رأيتُ سلطانًا صوماليًا من شيوخ العشائر مثله في الورع والزهد والتواضع. وكلما نظرتُ إلى وجهه ولحيته رأيتُ فيه سماتِ أهل الورع وصفاتِ من أوتي حكمةً وملكًا. وهو يحب قبيلته ويفكّر في مصلحتها، وقد رأيتُ السلطان يبكي مرةً في مناسبةٍ عامة وهو يخطب لأحد فروع قبيلته، وهذا نادرٌ جدًا في عُرف السلاطين. إن ذلك يدل على طيبة قلبه، وسمو أصله، ونقاء معدنه، وحُسن سريرته. يبتسم بتواضعٍ وهدوء، فتتصوّر سلطانًا بقي على منصب السلطة أكثر من ستين عامًا، ومع ذلك ما زال الناس يحبونه، واستقبلوه في العاصمة بحفاوةٍ لم يُستقبل بها من قبل أيُّ أحدٍ كائنًا من كان.
حين وصل إلى مقديشو، العاصمة والحاضرة، كان في استقباله كبار رجال الدولة وأعيان العاصمة وشيوخ العشائر ووجهاء المجتمع. كما زاره رئيس الوزراء السيد حمزة عبدي بري في مقر إقامته، وخصّه الرئيس الأسبق للجمهورية السيد شريف شيخ أحمد بزيارةٍ كريمة، إلى جانب الوزراء والنواب وزعماء القبائل الذين عبّروا عن تقديرهم لسلطانٍ يمثل تاريخًا ناصعًا وقبيلةً ذات مكانةٍ راسخةٍ في وجدان الأمة.
وقد توافد أبناء العاصمة من مختلف الطبقات إلى مجلسه، حيث قُرئت كلمات الترحيب، وأُقيمت الولائم تكريمًا له، وتسابق الناس إلى مصافحته وتقبيل يده حبًا وتوقيرًا، في مشهدٍ عبّر عن محبةِ شعبٍ لرجلٍ يحمل من الهيبة والوقار ما تنطق به العيون قبل الألسن. لقد حملت هذه الزيارة في طياتها رسالةَ وحدةٍ، ورسّخت قيم الوفاء والاعتراف بالفضل، في زمنٍ تتوق فيه الشعوب إلى من يُعيد لها ثقتها بتاريخها وذاتها.
ولم يقتصر الأمر على العاصمة فقط، بل واصل السلطان جولاته إلى ولايات أخرى، منها عاصمة ولاية جنوب غرب الصومال، حيث لقي استقبالًا شعبيًا ورسميًا كبيرًا، فقد رحّب به رئيس الولاية، وعمدة العاصمة الإقليمية، والجيش، والحكومة المحلية، في مشهدٍ آخر من مشاهد الإجماع على مكانته ومحبته.
وقد سعدتُ شخصيًا بمتابعة لقاءٍ حصري أجرته معه منصة Dhaxalreeb في ثلاث حلقاتٍ مميزة، قدّم فيها السلطان تاريخ وتراث وعادات قبيلة غَري. وأوصي الجميع بمتابعة هذه الحلقات النادرة لما تحمله من قيمةٍ معرفيةٍ وتاريخيةٍ عظيمة. لقد أعجبني هدوؤه وتواضعه وكونه صوماليًا أصيلًا، وزادني ذلك فرحًا وفخرًا حين رأيت مكانة السلطان ومكانة قبيلته العريقة في قلوب الصوماليين كافة.
وقد استقبلت القبائلُ السلطانَ بحفاوة، وأقامت بشرف حضوره مناسباتٍ وفعالياتٍ، وتوافد إلى مقر إقامته العلماءُ، والسلاطين، وأهلُ الحل والعقد، وقادةُ الجيش، والوزراء، والسفراء، وأمراءُ الدولة.
قبيلةُ غَري قبيلةٌ صوماليةٌ مشهورةٌ بوحدة الصف والكلمة، ومعروفةٌ بحبها واعتزازها بانتمائها الصومالي الأصيل، فهي تسكن في حدودٍ تفصل بين القومية الصومالية والقوميات الأخرى في القرن الأفريقي، وتحمي حدود الأمة الصومالية منذ قرون. كما يشتهر أبناؤها بحب الإبل، وطلب العلم، والتضامن والتكافل، والاعتزاز بالهوية الصومالية. وهي قبيلةٌ تتحدث بلغاتٍ كثيرة، غير أن ولاءها للعرق الصومالي ثابتٌ لا يتزعزع.
يتربى المرء في هذه القبيلة على حب الصوماليين جميعًا، وعلى تعلم مهارات القتال، والسمع والطاعة لكلام الشيوخ والسلطان. ويُعتبر السلطان أعلى مرجعيةٍ تقليديةٍ للقبيلة، وله مجلس شيوخ يُسمّى “Gobta”، يتشاور معه دائمًا في أمور الحكم وشؤون الناس، إذ يؤمن أبناء القبيلة بأنهم سواء في النسب والكرامة، فلا يعلو أحدٌ على أحد. أمّا الماء والكلأ فيتقاسمونه بينهم بالعدل، إخوةً في السراء والضراء.
وقد عُرف بيت السلطنة في هذه القبيلة بالتضحية والنضال، حتى إنّ والد السلطان محمد، وهو السلطان الحاج حسن، مات مسمومًا في أحد مستشفيات أديس أبابا بعدما جاهر أمام الملأ بأنه صومالي وأن قبيلته من أصلٍ صومالي. وهو ما لم يُعجب إمبراطور الحبشة هيلي سلاسي، فكان جزاؤه أن قُتل غدرًا لأنه قال كلمة الحق: “أنا صومالي”.
السلطان محمد الحاج حسن غبابي تولّى السلطنة منذ واحدٍ وستين عامًا، وهو ابن السلطان، وأخو السلطان، ومن بيت السلطنة المعروف. رجلٌ جمع بين الوقار والتواضع، ويُنظر إليه على أنه موسوعةٌ حيّة ومكتبةٌ شاملة في معرفة التراث والتاريخ.
الاستاذ عبدالرحمن راغي علي


















