علامة فارقة أم لحظة رمزية؟ لماذا يحتفل سكان أرض الصومال بخطوة الاعتراف الإسرائيلي
===========
شهدت شوارع هرجيسا مظاهر احتفال لافتة، حيث تزيّنت بالألوان الأزرق والأبيض والأخضر، في مشهد عكس حالة من الزخم الشعبي غير المسبوق. فقد خرج آلاف من سكان أرض الصومال للاحتفال بما وصفه مؤيدو الإقليم بـ«اللحظة التاريخية» التي طال انتظارها لأكثر من ثلاثة عقود، وذلك عقب إعلان إسرائيل نيتها التحرك نحو الاعتراف الرسمي بأرض الصومال.
ورغم أن هذا التطور لا يزال ضمن إطار سياسي ودبلوماسي قابل للأخذ والرد، فإن أنصار أرض الصومال يرونه أكثر من مجرد خطوة رمزية، بل بداية اعتراف دولي بتجربة حكم ذاتي استمرت قرابة ثلاثين عامًا، ويقولون إنها تميزت بالاستقرار النسبي، وبناء المؤسسات، وإجراء انتخابات دورية، في محيط إقليمي شديد الاضطراب أمنيًا وسياسيًا.
ويقول أحد التجار في هرجيسا: «لقد بنينا كياننا من رماد الحرب دون دعم دولي حقيقي. واليوم نشعر أن العالم، بدءًا من إسرائيل، بدأ ينظر إلينا بجدية». وتعكس هذه العبارة شعورًا شائعًا لدى قطاعات واسعة من السكان بأن أي اعتراف، حتى وإن كان محدودًا، يمثل كسرًا لحاجز العزلة السياسية والاقتصادية التي رافقت الإقليم لسنوات طويلة.
* أبعاد تتجاوز السياسة *
بعيدًا عن الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية، يرى مؤيدو أرض الصومال أن أي انخراط دبلوماسي جديد قد يشكل بوابة نحو فرص اقتصادية أوسع، تشمل تسهيل الوصول إلى الأسواق الدولية، وجذب الاستثمارات، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، والاندماج التدريجي في الأنظمة المالية العالمية، وهي مجالات ظلت محدودة بسبب غياب الاعتراف الدولي.
* الطليعة الدبلوماسية: عبد الرحمن ضاهر آدم (بكال) *
في قلب هذا الحراك الدبلوماسي، يبرز اسم وزير خارجية أرض الصومال والتعاون الدولي، عبد الرحمن ضاهر آدم، المعروف بـ«بكال». فمنذ توليه منصبه أواخر عام 2024، ارتبط اسمه بمساعٍ مكثفة لتوسيع دائرة الحضور الدولي للإقليم.
ويتحدث مؤيدوه عن تبنيه ما يُعرف بسياسة «الاعتراف أولًا»، وهي مقاربة تقوم على فتح قنوات الحوار مع الدول التي يُنظر إليها على أنها منفتحة على مناقشة مسألة الاعتراف. كما يشيرون إلى مشاركاته في اجتماعات دولية واتصالاته مع مشرعين أمريكيين، إضافة إلى اتفاقيات تعاون أمني مع تايوان، باعتبارها جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تقديم أرض الصومال كشريك قادر ومؤهل مؤسسيًا.
ويرى مراقبون أن باكال لعب دورًا محوريًا في التبادلات الدبلوماسية المرتبطة بالعلاقة مع إسرائيل، حيث جرى تأطير هذا المسار في سياق الأمن الإقليمي والاستقرار، رغم عدم نشر وثائق رسمية توضح تفاصيل تلك المباحثات.
* الأدوار غير المعلنة في بناء استراتيجية الاعتراف*
خلف مشاهد الاحتفال، يشير مؤيدو أرض الصومال إلى جهد طويل الأمد قاده أكاديميون وصنّاع سياسات وشخصيات عامة، ساهموا في بلورة السردية الدولية للإقليم.
من بينهم الدكتور عبد الله محمد أودوا، الذي يُنسب إليه دور فكري في تقديم أرض الصومال كعامل استقرار جيوسياسي في منطقة البحر الأحمر، من خلال مقاربات أكاديمية تركز على الأمن والحكم الرشيد بدلًا من الخطاب الانفصالي التقليدي.
كما يُشار إلى الخبير الاقتصادي بيهي إيمان إيجه، وزير المالية في الحكومة الصومالية الفيدرالية، الذي ركز في تحليلاته على الإمكانات الاقتصادية لممر بربرة، معتبرًا أن المنطقة تمتلك مقومات استدامة اقتصادية إذا ما أُتيح لها انخراط دولي أوسع، رغم تباين التفسيرات السياسية لهذه الطروحات.
وعلى الصعيد السياسي، يبرز اسم صلاح أحمد جامع، نائب رئيس الوزراء الصومالي الحالي، الذي يُنسب إليه دور في الدفع باتجاه خطاب الإصلاح المؤسسي والحوكمة، وهي عناصر يرى بعض أنصار أرض الصومال أنها أسهمت – ولو بشكل غير مباشر – في تعزيز صورة الإقليم كنظام سياسي منظم نسبيًا، وهو توصيف لا يزال محل جدل واسع في الأوساط الصومالية والإقليمية.
* فصل جديد أم لحظة عابرة؟*
بالنسبة لمؤيدي أرض الصومال، تمثل هذه اللحظة انتقالًا محتملًا من مرحلة السعي الدبلوماسي للاعتراف إلى مرحلة التركيز على التنمية وبناء الدولة. وهم يرون أن تلاقي القيادة السياسية، والتخطيط الاقتصادي، والتحرك الدبلوماسي قد يضع الإقليم على أعتاب فصل جديد.
وفي شوارع هرجيسا، تبدو الرسالة التي يرددها المحتفلون واضحة: هناك شعور متنامٍ بأن العمل الذي جرى خلف الكواليس بدأ يحقق اختراقًا رمزيًا، وأن هذا الاهتمام الدولي – إن استمر – قد يتحول إلى شراكات أوسع خلال السنوات المقبلة، حتى وإن بقي الطريق محفوفًا بتعقيدات سياسية وإقليمية عميقة.
المصدر:https://israelmirror.com



















