” على أبواب الذهب الاسود”
قد يعتقد المواطن الصومالي، الذي يبدي تحفظًا أو شكوكًا تجاه عملية التنقيب عن النفط واستخراجه من قبل الشركة التركية، أن جميع مخاوفه—المتمثلة في غياب الحماية، والاستحواذ الأجنبي، والمديونية، وتحديات التنمية وتوزيع الثروة، والعدالة، وحتى الفساد—هي مخاوف مبررة بالنظر إلى الظروف الاستثنائية للصومال. لكن التاريخ يشهد أن هذه الهواجس جميعها قد تحققت بالفعل في الدول العربية والإفريقية المنتجة للنفط، والتي يطمح الصومال إلى الانضمام إلى مصافه.
ويرجع تحقق هذه المخاوف، في جانبٍ كبير منه، إلى أن “الولادة النفطية” سبقت النضج السياسي والتماسك الاجتماعي في العديد من الدول المنتجة. فقد دخلت مجتمعات عربية وإفريقية إلى عالم صناعة معقدة وغير تقليدية قبل أن تتهيأ لها الشروط المؤسسية والمعرفية الكافية للتعامل معها بكفاءة. كما أن الكيانات السياسية آنذاك لم تكن تمتلك الخبرة الفنية ولا الإمكانات المادية والأطر القانونية التي تمكّنها من إدارة مواردها الطبيعية بصورة مستقلة وفعّالة.
لذلك، وعلى مدى عقود، وجدت هذه المجتمعات نفسها في حالة تعلّم ونمو متزامنين مع تطور الصناعة النفطية، في تجربة حيّة ومباشرة لم تخلُ من التحديات والاختلالات. ولم يبرز سؤال السيادة على الموارد وحق التصرف فيها والمشاركة في إدارتها إلا في مراحل لاحقة، حين بدأت الدول المنتجة تدرك تدريجيًا إمكاناتها. ويُعدّ قرار تأميم النفط الإيراني عام(1951م)، بقيادة حكومة الدكتور محمد مصدق، نقطة تحوّل مفصلية في هذا المسار، إذ لفت انتباه الدول المنتجة إلى قدرتها على إعادة النظر في سياساتها النفطية والتشاور بشأنها بوعي ودراية أعمق.
وعليه، فإن المخاوف الصومالية تبدو مفهومة ومشروعة في سياقها، غير أن (المبالغة فيها) قد تتحول إلى عامل كبحٍ يؤجل انطلاقة لا مفرّ من بدايتها، وإن جاءت متواضعة في مراحلها الأولى. فصناعة النفط، بطبيعتها، لا تولد مكتملة النضج، ولا تشق طريقها في بيئة مثالية، بل تتشكل عبر مسار تراكمي طويل، تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية بالسياسية، وتختبر فيه الدول قدرتها على التعلّم والتكيّف وبناء مؤسساتها تدريجيًا، بقدر من الواقعية، وتوازن الدقيق بين الحذر والمبادرة؛ حتى لا تتحول مخاوفها إلى عوائق عالية التكلفة للأجيال القادمة.
د. فاطمة حوش.
13/4/2026

