لقد شاهدت في الأسابيع الأخيرة الماضية لقطة فيديو متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها شاب صومالي عريس يبكي امام زوجته في حفل عرسه. وقد حزّ في نفسي أنّ كثيرا من المعلقين الصوماليين كتبوا تعليقات ساخرة تستهزئ من موقف هذا الشاب وتلومه على البكاء في الملا من اجل امرأة، وذلك مما يعدّ في التقاليد الصومالية أمر غير لائق يخدش بسمعة الرجل وربما يسبب عارا لسمعة أسرته او قبيلته كلها.
فالرجل الحق حسب تلك التقاليد هو الذي يبقى قويا ومتماسكا ومتجلدا مهما واجهه من مواقف صعبة في الحياة. فالبكاء للأطفال والنساء، ومن العار ان يظهر الرجل عواطفه حزنا او فرحا امام الناس حتى ولو أصيب بفقد حبيب دعك من البكاء في فرحة عرس. وكنت اظن ان الشباب قد تجاوزوا هذه العقلية ولكنهم خيّبوا ظني، فهم على آثار آبائهم مقتدون ولو كانوا ضالين. وليس التجلد في شيي ان يبقى الانسان خشبا مسندا او جلمود صخر لا عواطف له ولا يتاثر بأحداث الأيام ولا يظهر لوقائع الدهر جزعا او فرحا.
لقد سمعت أن الشاب من المناطق الوسطى في الصومال خاصة منطقة مدغ وهي منطقة اشتهر سكانها في الوعى الجمعي الصومالي بالتجلد والصلابة، وليس في قاموسهم البكاء واللين والرقة وكل ما يشير الى معنى الضعف والرخاة . ولأن يذوب قلب شاب من مدغ رقة وتمتلئ جوانحه حبا لهو شيي جميل يستحق الاشادة والتنويه، وموقفه هذا وحده كاف بتبديد جميع الشائعات من الخشونة والقسوة التي نسبت ظلما الى اخواننا من اهل مدغ. فقد كنّا ننتظر ما فعله هذا العريس من الجنوب فإذا به يأتينا من الشمال. وهذا من عجائب القدر وسخريته على البشر.
لا أكتمكم انني أغبط هذا الشاب بل أحسده على إنسانيته ورقة قلبه وإظهاره حبه لزوجته أمام الملا غير عابئ لتقاليد بالية متوارثة ولا مصغ لقالة الناس ولومهم. وكم من موقف مررت بي في حياتي كبحت فيها عواطفي من الاسترسال على سجيتها إذعانا للتقاليد الصارمة حتى اصيبت عواطفى بالجمود من كثرة ما ران عليها من التكتيم والتعتيم. ولو اني استقبلت من امري ما استدبرته لوفيت هذه المواقف حقها ولأطلقت عواطفى على سجيتها في الاعراب عن مشاعرها بكاء فرحا او حزنا بلا تكلف ولا تغليف ولا تزويق. فهنيئا للشاب العريس على هذا الموقف الإنساني الجميل الذي اظهر فيه صدقا في العاطفة وسلامة في القلب وقوة في الشخصية. وفد فضح بموقفه هذا مرض بني قومه وضعف عاطفة الحب في قلوبهم وحاجتهم الماسة الى طبيب نفسي يعالجهم حتى تصح قلوبهم وتستقيم فطرتهم.
وفي الجواب الكافي لابن قيم الجوزية: قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إنّ ابنك عشق فلانة، فقال: الحمد لله الذي صيّره إلى طبع الآدمي. يظن بعض الناس ان الحديث عن الحب يعنى الحديث عن الجنس والشهوة واللذة العابرة، وهذا سوء فهم للحب ومعناه وطبيعته. فالحب عاطفة إنسانية نبيلة وليس نزوة شهوانية عابرة او رغبة جنسية جامحة. وهي عاطفة فطرية موجودة لدى كل الناس مثل الهواء الذي يتنفس فيه كل احد ولكنه لا يستطيع مسه او إمساكه.
وقد حار العلماء في تعريفه وماهيته، فلما لم يعرفوا كنهه اكتفوا بالأمارات التي تدل عليه والعلامات التي تظهر على صاحبه. وقد افرد الامام ابن حزم – وهو من تعرفونه علما وفضلا وإمامة – كتابه طوق الحمامة للحديث عن الحب وأنواعه وعلاماته وما الى ذلك من موضوعات اخرى تتعلق بهذا الباب. وكان تعريفه للحب تعريف عجيبا يدل على طول باعه في الموضوع وتمكنه من الغوص عميقا في خبايا لجج هذا البحر الهادر وأمواجه المتلاطمة حيث قال ” الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل. وقد أحب من الخلفاء المهدبين والأئمة الراشدين كثير.
يعترف ابن حزم هنا بصعوبة وضع تعريف محدد للحب لدقة معانيه عن الإحاطة والوصف ولأنه لا يمكن معرفته الا بالخبرة والتجربة او بالمعاناة على حد تعبيره. ثم يُبين ان الاسلام لا ينكر الحب وان الشريعة لا تحرمه معللا بذلك ان الحب عاطفة مكانها القلب يقلبه الله أنى شاء وكيفما شاء وليس للإنسان إرادة يستطيع بها التحكم على قلبه.
ان الاسلام لم يحرم على العين النظر الى الجمال وانما حثّ على غض البصر ولم يحظر الأذن من السماع وانما امر بعدم الإنصات للفحش من القول ولا نهى اللسان عن الكلام وانما نهى الجهر بالسوء من القول فكذلك لم يمنع الاسلام القلب من العشق والتعلق بالجمال وانما امر بالصبر والتعفف، فلا يكلف الله الانسان شيئا ليس في وسعه ولا هو قادر على التحكم به وانما يبيحه ويضبطه على مبادئ الشرع الحنيف.
فمن طبيعة الانسان ان يعشق الجمال حيثما كان. يعشق الطبيعة وما أودعها الله فيها من جمال باهر. تعجبه الرياض الخضراء الزاهرة وتستهويه الوردة الحمراء الجميلة وتستميله الارض وما ركبه الله عليها من الحبال والوديان والأنهار والبحار ويهيم بالصورة الحسنة ويطرب للصوت الجميل وتبهره الكلمة العذبة ويؤسره اللفظ الرشيق ويعجبه المعنى البديع.
وهذا لا يعنى ان الناس كلهم يشعرون هذا الجمال على صورة واحدة، فالناس يتفاوتون على ادراك ذلك على قدر استعدادهم وتهيوهم وما أودعهم الله فيهم من قوة العاطفة وضعفها ومن سعة الخيال وضيقه ومن سموَ الذوق وضعته. فترى إنسانا يقف على حديقة جميلة زاهرة انبتت من كل زوج بهيج ويمرَ عليها مرور الكرام، لا يجد فيها شييا ملفتا للنظر لأن حواسه تبلدت وخواطره تجمدت، ثم ترى شخصا اخر مرهف الحس فيض الخاطر يمر على الحديقة نفسها فيبهره جمالها ويقف متأملا يمتَع نظره بهذا المنظر العجيب ويجد في نفسه راحة واطمئنانا وتسلية.
وقد يقوم بوصف هذا الجمال والتعبير عنه بفن من الفنون الجميلة من شعر وغناء وموسيقي وما الى ذلك. وهناك مستويان للحب. المستوى الاول هو مستوى الشعوري دون القدرة على التعبير. والمستوى الثاني هو مستوى التعبير الجميل عن هذا الشعور وعن هذه العاطفة النبيلة بفن من الفنون الجميلة.
ومما يلفت الانتباه ان الشعراء في الأدب العربي اهتموا في قصائدهم الغزلية بوصف الجمال الظاهري للمرأة في شكلها وصورتها من رشاقة القد وحور العبن او دعجها واعتدال القامة وبياض البشرة وسواد الشعر ووفرته وبياض الثغر ولمياء الشفتين ووجه كالبدر وجيد كجيد الريم وما الى ذلك من التشبب بمحاسن المرأة ومفاتنها الظاهرة.
وقلَما ترى شاعرا يصف الجمال الباطني للمرأة جمال النفس وجمال الخلق. وهذا يدل على ان حبهم للمرأة لم يرق الى التعلق بصفتها الانسانية ومزاياها الاخلاقية وانما كان مقتصرا على حب الصورة والشكل ولم يتجاوز ذلك الى جمال النفس والمعنى الا نادرا.
وهذه الظاهرة ليست خاصة بالأدب العربي وحده وانما نلاحظه ايضا في الأدب الصومالي. فالغزل في الشعر الصومالي وأغانيهم يصف معظمه الجانب المادي والحسي من جمال المرأة. وهذه الاغنية بصوت الفنان احمد علي عغال صورة واضحة تمثل تمثيلا صادقا صورة الغزل في الأدب الصومالي وافتنانه بجمال الصورة.
Ilkaheeda dhuuxa
Indhaheeda dhayda
Dhabankeeda curubka
Sunniyaha bil dhalatiyo
Sidii qaanso lagu dhigay
Timaheedaan dhuxusha
Barkood dhaafay dhabarka
Barna soo dhaceenee
Laydhu ay ku dheeshiyo
وهنا كما ترى يعدد الفنان محاسن حبيبته من بياض أسنانها وخدها الوردي وحواجب كالهلال على شكل قوس وشعرها الأسود الفاحم، بعضه جاوز المتن وبعضه الاخر مسترسل تلعب به الرياح. ومعظم الأدب الصومالي يدور على ذلك وينسج على هذا المنوال. وعلى الرغم من ذلك فهناك جوانب من أدب الغزل الصومالي لم تهمل الناحية الاخلاقية لجمال المرأة الى جانب جمال المظهر. ومن أحسن ما رايت في ذلك أغنية بصوت المطرب عمر على عبدلي، ومنها هذه الأبيات:
Hanaan socodka laafyaha
Hagar li’i wax qabashada
Hindisihiyo faalada
ka hal celinta sheekada
Hadaan caano lagu habin
Aman hooyadeed korin
Mahayseen asluubtiyo
Hidihiyo xishoodkee
وهنا يمدح الفنان حبيبته ويصف تبخترها وتمايلها في مشيتها ، ثم ينتقل من وصف جمالها الظاهري الى ذكر محاسنها المعنوية من الإخلاص في العمل والابداع في القول وحسن الحديث، ثم يقول ان لم تكن أرضعته أمها وربتها في حضنها لما حافظت علي تلك الأخلاق الحميدة وهذا الحياء الفطري.
وكلما ارتقت الامة في حياتها ارتقت في وصف مشاعرها وعواطفها. وكلما تخلفت وضعفت ظهر هذا الضعف على آدابها وثقافتها وعلى جميع جوانب الحياة الاخرى. وقد ارتقى الأدب الصومالي في السبعينات والثمانينات ايّام كانت الدولة الصومالية في أوج ازدهارها، وتخلف الأدب وذبل بعد ضعف الدولة وسقوطها. ومن أحسن ما يمثل هذا الارتقاء أغنية في مسرحية “مقبرة الحب” بتأليف محمود عبدالله ( سنغب) في عام ١٩٧٣ وبصوت الفنانة زينب عغي، نرى فيها فلسفته في الحب حتى وصل الى مستوى ربط فيها بين الحب والحياة.
ومنها هذه المقطع:
Hadii aan jaceyl jirin jagi lama cayaareen
Hadii aan jaceyl jirin jaar lama ahaadeen
Hadii aan jaceyl jirin nimco laguma joogeen
Hadii aan Jeceel jirin aduunyada ma joogteen
Hadii aan jaceyl jirin janno lama abuureen
لولا الحب ما رقص الناس
ولولا الحب ما تجاور الناس
ولولا الحب ما وجد الرخاء
ولولا الحب ما كانت الحياة
ولولا الحب ما خلقت الجنة
مقطع رايع في تصوير الحب ويحمل فلسفة المؤلف للحب وهي فلسفة عميقة تدل على سعة خياله وحسن تعبيره، فالحب هو الدي يعطي معنى للحياة. حيث ربط الحياة -ليس في هذه الدنيا فحسب بل حتى في الحياة الآخرة – بوجود الحب، وهو معنى لطيف قد وفق الاديب التوفيق كله في تصويره وعرضه على هذا الأسلوب الراقي.
فلسفة الحب عند الاديب الصومالي العملاق محمود عبدالله “سنغب” قريبة من فلسفة الحب لدى الاديب السوري الكبير الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حيث كتب “ولولا الحب ما التفَّ الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس البعيد، ولا حنى الجبل على الرابية الوادعة، ولا أمد الينبوع الجدول الساعي نحو البحر. ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع، ولا كانت الحياة”.
وكأن خواطر الأدبيين الكبيرين في وصف عاطفة الحب قد تواردت، ورؤيتهم في فلسفة الحب وطبيعته قد توافقت. فمضمون كلامهما واحد وان اختلفت الصور والأمثلة. ان الحب والحياة متلازمان كتلازم الظل وصاحبه وانه لا معنى للحياة دون حب.
وما لي ذهبت بعيدا عن الموضوع وجرّني الحديث جرًّا الى معان جانبية ليست في صلب ما عزمت الكتابة فيه. والاستطراد آفة الكاتبين كما قالوا قديما. واظن ان ذلك عدوى انتقلت إليّ من الجاحظ، فهو زعيم المستطردين بلا منازع، وعنده الاستطراد ليس عيبا ولكنه ضروري للتنويع ودفع الملل عن القاري.
وللحديث بقية… وسأتبع هذا المقال – إن شاء الله – بمقالين آخرين.















