فلسفة السلام المُفخَّخ
من كتاب: فلسفة تمشي على استحياء)
السلام، في المخيال الإنساني، هو نهاية الألم. لكن التاريخ يعلّمنا أن بعض أنواع السلام ليست نهاية للحرب، بل تحويلٌ لها إلى صيغةٍ أكثر تهذيبًا… وأشد فتكًا.
في عصر العولمة، لم تعد السيطرة تحتاج إلى جيوشٍ جرّارة، يكفي أن تُعاد صياغة المفاهيم.أن يُستبدل السؤال عن العدل بسؤال عن التعايش،وأن يُحوَّل الصراع من قضية حق إلى “سوء تفاهم ثقافي”.
هنا، بالضبط، تدخل “الإبراهيمية”.
1. الإبراهيمية: حين يُختزل الدين ليصلح للاستخدام
الإبراهيمية لا تُقدَّم كدين جديد،
بل كـ منصة أخلاقية مشتركة.
وهذا ما يجعلها أخطر.
فالدين حين يُلغى يُقاوَم،
أما حين يُعاد تدويره،
فإنه يُصفَّق له.
في هذا المشروع،
لا يُطلب من الأديان أن تتعايش فقط،
بل أن تتخفف من كل ما يجعلها أديانًا فعلًا:
لا تشريع صادم
لا موقف حاد
لا حق مطلق
لا باطل واضح
كل شيء يجب أن يكون “قابلًا للتفاوض”.
يقول المؤلف
«الإبراهيمية لا تهدم الدين، بل تجعله صالحًا للعرض الدبلوماسي».
ويشبه.المؤلف : الدين كالسيف… والإبراهيمية كغمدٍ مكسور
الدين، في جوهره، يشبه السيف: ليس للزينة، بل للفصل بين الحق والباطل.
أما الإبراهيمية،
فهي كغمدٍ جميل يُغلَّف به السيف… ثم يُكسر نصله بحجة السلام.
النتيجة؟
سيفٌ لا يقطع ظلمًا،
ولا يحمي حقًا،
لكنه يلمع في المؤتمرات.
يقول المؤلف:
لو كانت الإبراهيمية مشروع سلام حقيقي،
لكانت فلسطين أول ميدانٍ لاختبار صدقها.
لكن ما الذي حدث؟
الاحتلال يُسمّى “نزاعًا”
العدوان يُسمّى “دفاعًا عن النفس”
المقاومة تُختزل إلى “تطرّف”
والضحية تُطالَب بـ “ضبط النفس”
ثم يُقال:
فلنجلس جميعًا على طاولة إبراهيم!
مقولة المؤلف:
«السلام الذي يبدأ بتجريد المظلوم من لغته، لا ينتهي إلا بتجريده من أرضه».
4. يقارب المؤلف الابراهيمية : بلصٌّ يطلب المصالحة قبل إعادة المسروق
الإبراهيمية تشبه:
لصًّا يحتل بيتك
ثم يدعوك إلى “مصالحة إنسانية”
دون أن يعيد البيت
ودون أن يعترف بالجريمة
بل يطلب منك فقط:
أن تفهم دوافعه.
هذا ليس سلامًا،
بل إدارة أنيقة للسرقة.
5. لماذا يُستدعى إبراهيم تحديدًا؟
لأن إبراهيم:
رمز جامع
محترم عند الجميع
يصعب رفض اسمه أخلاقيًا
لكن إبراهيم الحقيقي—
كما في النصوص—
لم يكن جامعًا بلا موقف.
لقد كسر الأصنام،
ولم يعلّق حولها لافتة “حوار”.
مقولة المؤلف:
«إبراهيم في الإبراهيمية شخصية رمزية،
أما إبراهيم في الوحي فكان موقفًا.»
6. الإبراهيمية والسياسة: زواج مصلحة لا حوار أديان
السياسة تحب الأديان حين:
تُهدّئ الشعوب
وتُبرّر القرارات
وتمنح الغطاء الأخلاقي
والإبراهيمية تؤدي هذه الوظيفة بامتياز.
فهي:
تُخفّف حساسية التطبيع
تُجمّل التحالفات القبيحة
تُحوّل الصراع إلى “سوء فهم تاريخي”
تشبيه واقعي:
الإبراهيمية كالعطر في غرفة مغلقة:
لا يزيل العفن،
بل يعلّمه كيف يتخفّى.
7. مقارنة مع السلام الحقيقي
السلام الحقيقي
السلام المُفخَّخ
يبدأ بالاعتراف بالظلم
يبدأ بتجاهله
يعيد الحقوق
يعيد صياغة اللغة
يواجه الجريمة
يطلب تجاوزها
يُنهي الصراع
يُجمّده
8. خطورته على الوعي
أخطر ما في الإبراهيمية
ليس ما تقوله،
بل ما تمنعك من قوله.
فمن يعترض:
يُتَّهم بالتشدد
أو كراهية الآخر
أو معاداة السلام
وهكذا،
يصبح الصمت فضيلة،
والغضب الأخلاقي تهمة.
مقولة المؤلف:
«حين يصبح الغضب على الظلم تطرفًا،
اعلم أن السلام قد خان معناه.»
9. خاتمة فلسفية
الفلسفة لا تكره السلام،
لكنها ترفض أن يكون السلام
على حساب الحقيقة.
ولا تعادي التعايش،
لكنها تسأل: تعايش مع من؟
وعلى حساب ماذا؟
الإبراهيمية، في صورتها السياسية،
ليست جسرًا بين الأديان،
بل مقصًّا ناعمًا
يُقصّ به جوهر الدين
تحت تصفيقٍ أخلاقي.
وفي النهاية،
يبقى السؤال الذي تخشاه كل المشاريع المعلّبة:
هل هذا السلام عادل…
أم فقط مُربح؟
بقلم الكاتب والباحث في الفلسفة والتصوف والسياسة.الدكتور حسن البصري
المزيد للقراءة
Share

