الرئيسية » كتاب الشهر » قراءة كتاب ” المقاصد العامة للشريعة” للدكتور ابن زغيبة عز الدين.

قراءة كتاب ” المقاصد العامة للشريعة” للدكتور ابن زغيبة عز الدين.

إن كتاب ” المقاصد العامة للشريعة الإسلامية” أصله رسالة بحث قدمها المؤلف لنيل درجة دكتوراة من قسم أصول الفقه بالمعهد الأعلى للشريعة، جامعة الزيتونة – تونس، بدأ المؤلف بمقدمة جميلة تضمنت منهجيته في البحث، وطريقة تناوله المادة العلمية التي أوردها في بحثه، وكيفية عرضها، ثم تعرض المؤلف إلى ذكر المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في بحثه، وقسمها إلى قسمين اثنين: قسم له علاقة مباشرة بموضوع المقاصد، وقسم آخر علاقته بالموضوع ثانوية، وإنما يستفاد منها بوجه من الوجوه، لزيادة التوضيح والبيان، ثم ركز المؤلف بصورة خاصة على أهم الكتب التي تعرضت لعلم المقاصد والتي حملت تطويرا وتوسيعا له وذلك من خلال مؤلفات أصول الفقه والقواعد الفقهية، وأوردها واحدا واحدا مع بيان ما يمتاز كل واحد منها عن الآخر، إضافة إلى أنه ناقش الأقوال الواردة في تلك المؤلفات ونقد آراء أهلها بطريقة علمية، وهذا يُظهر بجلاء شخصية المؤلف وأنه شخصية ناقدة وليس مجرد ناقل لأقوال من سبقه من العلماء في الموضوع، والدكتور لديه نفس طويل في استجماع الأقوال وسبر مضامينها، وهذا مما يجعل كتابه هذا يتصدر أو يحتل المراكز الأولى في مصادر فن المقاصد الشرعية، ثم انتقل إلى صلب بحثه ولب عصارة جهده وقسمه إلى أربعة أبواب رئيسة يندرج تحت كل منها فصول عدة، وسأحاول عرض أهم ما جاء فيها بإيجاز:
الباب الأول: مدخل إلى المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
الباب الثاني: أصــــول المــقاصــــد العــــــــــــامة.
الباب الثالث: جلب المـــصـــــالـــــح ودرء المفاسد.
الباب الرابع: التــــــيــــــســــير ورفـــــــــع الحـــــــرج.
ففي الباب الأول: تعرض الدكتور لبيان ماهية مقاصد الشريعة، وقام بتحليل ألفاظها وفك العبارات التي تتركب منها، واستجمع ما سطره علماء علم المقاصد حول تعريفها قديما وحديثا، ثم ذكر ما ترجح لديه منها فقال بعد إيراد تعريف ابن عاشور للمقاصد: إن تعريف الشيخ ابن عاشور للمقاصد العامة، هو العمدة فيها وهو ملاذي ولا مزيد عليه، وتعريف ابن عاشور للمقاصد العامة كالآتي: “هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظهما بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة” ، ثم انتقل الدكتور بعد ذلك إلى ذكر الفروق بين المقصد الشرعي وما يشاكله من المصطلحات، كـ”الحكمة” و “المعنى” وبيّن أن الحكمة تغاير المقصد الشرعي وتختلف عنه اصطلاحا، وأما المعنى فهو يرادف المقصد ولا يوجد بينهما خلاف، فالتعبير بأحدهما يغني عن الآخر ويؤدي مدلوله في الموضوع.
ثم شرع الدكتور بشيء من التفصيل في بيان نشأة علم المقاصد ومراحل تطوره مادة ومنهجا حتى استقرّ كعلم مستقل قائم بذاته، وذكر أبرز العلماء والمجتهدين الذين لهم إسهامات فعّالة وبصمات واضحة في هذا المجال قديما وحديثا.
ثم ذكر الدكتور أن علم المقاصد يعتمد على أساسين عظمين:
الأول: يمثل الوصف الأعظم في جانب الشريعة والصفة الطبيعية التي جبل عليها الخلق في جانب المكلفين وهو الفطرة.
الثاني: هو الوصف الحافظ للمكلفين من تصرفاتهم والواقي للشريعة من الانخرام بسبب تلك التصرفات وهو الوازع.
ثم انتقل الدكتور بعد ذلك إلى ذكر ضوابط المقاصد ومراتبها وما ينبغي أن يتوفر فيها من الشروط، فقال عن ضوابطها ينبغي أن يتوفر فيها الآتي:
1- الظهور.
2- الثبوت.
3- الانضباط.
4- الاطراد.
وقسّم مراتبها إلى قسمين اثنين: قطعية وظنية، ثم قام بشرح ما ذكر أعلاه من ضوابطَ ومراتب بشكل مفصل.
ثم شرع الدكتور في بيان نقطة مهمة وهي: طرق إثبات المقاصد الشرعية عند علماء الأصول، وذكر أنهم اختلفوا في تحقيق الطرق الموصلة إلى المقاصد إلى فرق ثلاث:
الفريق الأول: وهم الظاهرية الذين ارتفعوا بالمقاصد إلى حد أفرغوا فيه النصوص من روحها، فأصبحت كالجثة الهامدة لا تغادر موقعها الذي فيه قيد أنملة.
الفريق الثاني: وهم من غاص بفكره حتى التفت وراء ظهره لم ير من النص إلا شبحا وقد لا يرى منه شيئا، فهم يريدون إلغاء الشريعة باسم المقاصد.
الفريق الثالث: هم جمهور العلماء، والسواد الأعظم من الأمة، قد تجنبوا مواقع الإفراط والتفريط واختاروا لأنفسهم طريقا وسطا، لا إخلال فيه بالمبنى ولا المعنى ، حيث وضعوا كل واحد في مكانه وأجروه في مسالكه، ومن هؤلاء الشاطبي والعز بن عبد السلام، وابن عاشور، ثم أردف الدكتور طريقة كل واحد من هؤلاء الأعلام لإثبات المقاصد الشرعية، وذكر عناصر الاتفاق فيما بينهم، وحصرها في نقاط ثلاث:
1- اتفاق الجميع على أن المصالح الأخروية ومفاسدها لا تثبت إلا بالسمع ولا مجال للعقل في إدراكها.
2- اتفاقهم على أن المصالح الدنيوية قد تثبت بالعقل.
3- اتفاقهم على أن الاستقراء طريق من طرق إثبات المقاصد.
وذكر أيضا نقاط الاختلاف فيما بينهم بشيء من التفصيل، لا يسع المقام إلى ذكره هنا.
وفي الباب الثاني: تحدث فيه عن أصول المقاصد العامة، وذكر أن العلماء من خلال تتبعهم لأحكام الشريعة، واستقراء تصرفاتها وجدوا أنها تدور حول أصول ثلاثة: هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ثم شرع في بيان المقصود منها، وسرد أدلة كل واحدة منها، وجدير بالذكر أنه عند تناوله مسلك الضروريات خالف التقسيم المعهود لدى العلماء وعده ستاً بدل الخمس، ( حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ الحرية) ويكون حفظها هذه الأمور من جانبين: جانب الوجود أي: يُحقَقُ ما يضمن استمرارها، وجانب العدم أي: يُحمَى منها ما يعرضها للخطر أو يتلفها، ثم ختم هذا الباب بطريقة الترجيح بين أصول المقاصد وكلياتها عند التعارض، وذكر أن المقدم دائما أعلاها رتبة.
وفي الباب الثالث: تحدث عن جلب المصالح ودرء المفاسد، وأطال القول في تحديد ماهيتها وشرح المعاني المتعلقة بها، واستجمع أقوال العلماء فيها وناقشها كما هي عادته، ثم شرع في سرد الأدلة الواردة على مشروعيتها، وساق أدلة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ﴾، [النحل:90]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾[الأعراف:56]، وغيرها من الآيات، وأما الأحاديث الواردة في هذا الباب فحدث ولا حرج، ثم عرج الدكتور بعد ذلك إلى بيان خصائص المصلحة التي إذا تخلفت لم يعتد بتلك المصلحة، وذكر منها الآتي:
1- ألا تخالف الكتاب والسنة وما يتفرع عنهما من الأدلة المتفق عليها.
2- ألا تكون المصالح ناتجة عن خبرات عادية ومهارات علمية بعيدة عن مبادئ الشرع وقوانينه.
ثم ذكر أنواع المصالح والمفاسد وأنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
1- المصالح والمفاسد الدنيوية
2- المصالح والمفاسد الأخروية.
3- المصالح الدنيوية خادمة للآخرة.
وختم الباب بأنها عند التعارض فيما بينها يقدم درء المفاسد على جلب المصالح.
وفي الباب الرابع: تحدث عن التيسر ورفع الحرج، وبيّن أن من سمات شرعنا الحنيف السماحة، وأكد أن ذلك كان عنصرا فعالاً ومساهما كبيرا في سرعة انتشار الشريعة، وتمكّن سلطانها من النفوس، ودوام حالها في الخلق، وذكر أيضا أنه لما تجاوزت الأديان السابقة أصل السماحة واليسر، ووقعت في الشدة والعنت، لم يلث أهلها فيها، بل انصرفوا عنها أو فرطوا في معظمها، وقد سلمت شريعة الإسلام من هذا الأمر، قال تعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ ﴾[الأعراف:157]، ثم استرسل الدكتور بعد ذلك في بيان أنواع التيسير، وذكر موجبات رفع الحرج، ثم ختم كتابه أهم النتائج التي توصل إليها.

مميزات كتاب المؤلف
أثناء قراءتي للكتاب لفت انتباهي عدة أمور:
1- جمال لغة المؤلف وحسن عرضه للمسائل.
2- استقلالية المؤلف وبعده عن التبعية المطلقة.
3- نقده البناء في مناقشة الأفكار.
4- دقته في تفريق المتشابهات من المسائل.
5- نفسه الطويل في استجماع الأقوال ومناقشتها.

بعض المآخذ على الكتاب:
مما هو معلوم لدينا أن أي جهد بشري مهما بذل صاحبه من الاجتهاد فلابد له من القصور في بعض الجوانب، فالكمال غاية لا تدرك، والكمال لله وحده، وبناء على ذلك فإنني لاحظت أثناء قراءتي للكتاب أنه بحاجة إلى:
1- حذف التكرار الحاصل في بعض فقرات الكتاب.
2- اختصار بعض المواضيع التي أسهب فيها المؤلف دون حاجة ملحة إلى ذلك.

دروس مستفادة من الكتاب:
كانت رحلتي مع الكتاب ممتعة، وقد فتحت لي آفاق جديدة في عالم المعرفة، وأعادت إلي روح القراءة الحرة التي تمكنني: ألا أكتفي بظاهر النصوص دون الغوص في عمق معانيها، وعلمتني أن القراءة النقدية تساهم بشكل كبير في تكوين الشخصية العلمية، وتبرز مكانتها، وذلك لا يعني : التطاول على العلماء أو الحط من قدرهم، بل يجب احترامهم وإجلالهم، دون التسليم بكل ما يكتبونه أو يقولونه، بل ينبغي مناقشتهم تحت سقف الأدب كما صنع المؤلف.

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *