من التعهد الانتخابي إلى المسار التشريعي: التحول الدستوري في الصومال 2026
يشهد المشهد السياسي في جمهورية الصومال الفيدرالية محطة مفصلية مع توجّه البرلمان الفيدرالي إلى التصويت على حزمة من التعديلات الدستورية، تُعدّ من أبرز التطورات منذ اعتماد الدستور المؤقت عام 2012. وتأتي هذه الخطوة في سياق استكمال البناء الدستوري ومعالجة أوجه القصور التي كشفتها المرحلة الانتقالية، ولا سيما ما يتصل بتداخل الصلاحيات وتكرار الأزمات بين مؤسسات الدولة.
وقد شكّل استكمال الدستور مطلبًا أساسيًا في الخطاب السياسي لمرشحي الانتخابات الرئاسية عام 2022، بوصفه مدخلًا ضروريًا لإرساء الاستقرار المؤسسي وتعزيز شرعية النظام السياسي. وفي هذا الإطار، تتجه التعديلات إلى تثبيت انتخاب رئيس الجمهورية عبر البرلمان، مع تحديد فترتين رئاسيتين وحدٍّ أدنى للعمر، بما يحافظ على الطابع البرلماني للنظام ويعزز انتظام التداول السلمي للسلطة.
ويبرز في جوهر هذه الإصلاحات السعي إلى ضبط الصلاحيات وتحديد المسؤوليات على نحوٍ أدق، للحد من الازدواجية التنفيذية وترسيخ مبدأ المساءلة. كما تتضمن التعديلات شروطًا جديدة لشغل المناصب العليا، من بينها حظر ازدواج الجنسية، والإفصاح عن الممتلكات، ووضع معايير محددة للترشح، في توجه يعكس تعزيز مفهوم الولاء الوطني وترسيخ الشفافية، وإن كان قد يثير نقاشات دستورية حول مدى اتساق بعض هذه الضوابط مع الحقوق السياسية.
وفي ما يتصل بالعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، نصّت التعديلات على فقدان النائب مقعده عند تعيينه وزيرًا، تكريسًا لمبدأ الفصل النسبي بين السلطات، وإفساحًا للمجال أمام الاستعانة بكفاءات من خارج البرلمان. كما أُبقيت مدة الولاية الرسمية خمس سنوات، دعمًا للاستقرار المؤسسي وضمانًا لانتظام العملية الانتخابية.
أما العاصمة مقديشو، فقد مُنحت وضعًا خاصًا يقوم على إدارة تجمع بين التمثيل المحلي والإشراف الفيدرالي، سعيًا لتحقيق توازنٍ بين خصوصيتها الإدارية ومتطلبات السيادة والأمن.
وفي تطورٍ مفصليّ، شهد يوم 3 مارس/آذار 2026 تصويت البرلمان الفيدرالي بالموافقة على استكمال الدستور، في خطوةٍ تُعدّ تتويجًا لمسارٍ تشريعي طويل ونقاشات سياسية ممتدة. ويمثل هذا التصويت انتقالًا من مرحلة التعهدات والوعود الانتخابية إلى مرحلة الإقرار المؤسسي، بما يعزز شرعية الإطار الدستوري ويمنح مؤسسات الدولة أساسًا قانونيًا أكثر رسوخًا في إدارة الشأن العام.
ختامًا، إن تعديلات عام 2026 تمثل محاولة لإعادة هندسة الدولة وتوضيح قواعد الحكم في الصومال، غير أن نجاحها يظل مرهونًا بمدى تحقق التوافق الوطني حولها، وقدرتها على التحول من نصوصٍ قانونية إلى عقدٍ سياسي جامع يعزز الاستقرار ويخدم المصلحة الوطنية.
أ. عبدالعزيز نور عابي

