هل تُحسم الحروب بالصواريخ أم على الأرض؟

المزيد للقراءة

هل تُحسم الحروب بالصواريخ أم على الأرض؟
تُظهر تجارب الحروب الحديثة أن الاعتماد على الضربات الجوية والصواريخ وحدها نادرًا ما يحقق نصرًا حاسمًا أو مستدامًا. فالقوة الجوية قد تُحدث صدمة أولية وتُضعف قدرات الخصم، لكنها في كثير من الأحيان لا تكون كافية لحسم الصراع بشكل نهائي. ولذلك يرى كثير من الخبراء العسكريين أن الحسم الحقيقي للحروب غالبًا ما يتم على الأرض، عندما تتكامل العمليات الجوية مع التحركات البرية التي تفرض واقعًا جديدًا على الميدان.
فالضربات الجوية، مهما بلغت دقتها وقوتها، تبقى في جوهرها أداة ضغط عسكري وليست وسيلة حسم نهائي. فالقنابل والصواريخ قد تُدمّر البنية التحتية وتُضعف القدرات العسكرية للخصم، لكنها نادرًا ما تُنهي الصراع أو تفرض استسلامًا كاملاً. لقد أثبت التاريخ العسكري الحديث أن الحروب لا تُحسم من السماء وحدها، بل تُحسم عندما يُفرض الواقع على الأرض. ولهذا فإن الاعتقاد بأن القصف الجوي وحده قادر على تحقيق نصر حاسم يبقى رهانًا ناقصًا، لأن موازين القوة في النهاية تُحدَّد على الأرض لا في الأجواء.
الحرب الدائرة حاليًا في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تعكس إلى حد كبير هذه الحقيقة. فعلى الرغم من الضربات الجوية المتبادلة والتصعيد العسكري، لا يزال من المبكر الحديث عن انتصار واضح لأي طرف. بل إن المؤشرات الحالية توحي بأن الصراع قد يطول أو يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
ولعل التاريخ القريب يقدم أمثلة واضحة على محدودية الحسم عبر الضربات الجوية وحدها. فقد شنت الولايات المتحدة منذ عام 2007 عمليات جوية مكثفة ضد تنظيم القاعدة في مناطق مختلفة من العالم، وأسفرت تلك العمليات عن مقتل عدد كبير من قادة التنظيم. ومع ذلك، لم يؤدِ ذلك إلى القضاء التام على التنظيم، بل ظهرت تنظيمات أكثر تشددًا مثل تنظيم داعش، ما يؤكد أن القوة الجوية قد تُضعف الخصم لكنها لا تقضي عليه بالكامل.
الأمر ذاته يمكن ملاحظته في اليمن، حيث نفذت الولايات المتحدة في عام 2025 ضربات جوية ضد جماعة الحوثيين. ورغم الخسائر التي تكبدتها الجماعة نتيجة تلك الضربات، فإنها ما تزال تسيطر على العاصمة صنعاء، الأمر الذي يعكس مرة أخرى حدود فعالية الحرب الجوية عندما لا تترافق مع عمليات برية واسعة.
وفي المقابل، فإن تجارب أخرى تُظهر أن الحروب التي جمعت بين الضربات الجوية والتدخل البري كانت أكثر قدرة على تغيير موازين القوى. ففي العراق عام 2003، أدى الجمع بين القصف الجوي والعمليات البرية إلى إسقاط النظام الحاكم بسرعة نسبية. وكذلك الحال في ليبيا عام 2011، حيث ساهم الدعم الجوي في تمكين القوى المحلية على الأرض من تغيير موازين الصراع.
وعند النظر إلى المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، نجد أن المشهد أكثر تعقيدًا. فإيران دولة كبيرة من حيث المساحة والسكان، إذ يتجاوز عدد سكانها 92 مليون نسمة، كما أنها تمتلك قدرات متطورة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. هذه القدرات تمنحها القدرة على إلحاق أضرار بالقواعد العسكرية في المنطقة، وهو ما ظهر بالفعل من خلال استهداف بعض المواقع المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
كما أن الصراع لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية أوسع. فالتوترات الحالية أثرت بالفعل على أسواق الطاقة العالمية ورفعت أسعار النفط، كما أثارت قلق دول الخليج التي تسعى إلى تجنب توسع رقعة الحرب. وفي الوقت نفسه، قد تلعب قوى دولية مثل روسيا والصين دورًا غير مباشر في دعم إيران سياسيًا أو تقنيًا، ما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي.
ومن ناحية أخرى، تواجه الولايات المتحدة نفسها تحديات داخلية، إذ تبرز أصوات داخل المجتمع الأمريكي تعارض الانخراط في حرب واسعة جديدة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التكاليف الاقتصادية والبشرية التي قد تترتب على ذلك.
كل هذه العوامل تجعل من الصعب التنبؤ بمآلات الصراع الحالي. غير أن المؤكد هو أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالصواريخ وحدها، بل تتطلب مزيجًا من القوة العسكرية، والحسابات السياسية، والقدرة على إدارة الصراع طويل الأمد.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأساسي: هل ستتطور المواجهة الحالية إلى حرب أوسع تشمل عمليات برية، أم أن الأطراف المتصارعة ستكتفي بإدارة الصراع ضمن حدود الضربات المتبادلة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا