لم تعد مواجهة التطرف العنيف تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل باتت تشمل ميداناً آخر لا يقل أهمية، هو ميدان الإعلام وصناعة الوعي العام. ففي ظل الانتشار المتسارع للمعلومات عبر المنصات الرقمية، أصبحت وسائل الإعلام عاملاً مؤثراً في تشكيل مواقف الجمهور، وتفسير الأحداث، ومواجهة الخطابات التي توظف الدين أو المظالم السياسية والاجتماعية لتبرير العنف.
وفي الصومال، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سياق التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد. فقد استخدمت حركة «الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» وسائل إعلامية ومنصات رقمية لنشر بياناتها وتقديم روايتها للأحداث. ويجعل ذلك تحليلَ خطابها والتحققَ من مضامينه جزءاً من مسؤولية المؤسسات الإعلامية، من دون أن يعني ذلك اختزال ظاهرة التطرف في عامل واحد أو إغفال الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها.
ولا تقتصر مهمة الإعلام على نقل البيانات أو الرد على الرسائل الدعائية، بل تمتد إلى فحص الادعاءات، ووضع الأحداث في سياقها، وكشف المعلومات المضللة، وتجنب إعادة نشر المواد التحريضية على نحو يوسع نطاق انتشارها. فالتغطية المهنية لا تمنح الخطاب المتطرف مساحة إضافية، ولا تستبدل التحقق بالأحكام المسبقة، بل تتيح للجمهور فهماً أدق للأحداث وتداعياتها.
وتبرز أهمية هذا الدور أيضاً في تقديم خطاب ديني ومعرفي يستند إلى مصادر موثوقة، ويتيح للعلماء والباحثين مناقشة التأويلات المتشددة بالحجة والأدلة. كما يتطلب إنتاج محتوى رقمي ملائم لاهتمامات الشباب ولغتهم، يعزز التفكير النقدي، ويشرح مخاطر التحريض، ويفتح المجال أمام النقاش السلمي بشأن القضايا العامة.
لكن فاعلية الإعلام في مواجهة التطرف ترتبط كذلك بقدرته على تناول الأسباب والسياقات التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة، بما فيها التهميش وضعف الفرص الاقتصادية والنزاعات المحلية وتراجع الثقة بالمؤسسات. ولا يعني ذلك أن هذه العوامل تقود بالضرورة إلى التطرف، وإنما أن فهمها يساعد على بناء معالجة أكثر دقة، تتجاوز التفسيرات المبسطة وتدعم الوقاية المجتمعية.
وفي الحالة الصومالية، يمكن للإعلام أن يسهم في تعزيز المصالحة الوطنية، وإبراز المبادرات المحلية لبناء السلام، وتغطية آثار العنف على المدنيين، ومناقشة جهود المؤسسات العامة والمجتمع المدني في معالجة النزاعات. كما تبرز الحاجة إلى التمييز بين المعارضة السياسية السلمية والعنف المسلح، حفاظاً على مصداقية الخطاب الإعلامي وحق المجتمع في النقاش العام.
من التغطية إلى التنفيذ
يتطلب تحويل هذا الدور إلى نتائج ملموسة الانتقال من المبادرات الإعلامية المتفرقة إلى خطوات عملية محددة، يمكن للمؤسسات الإعلامية الصومالية تنفيذها وفق إمكاناتها وقياس أثرها بانتظام.
أولاً: تستطيع المؤسسات الإعلامية تخصيص فريق صغير للتحقق من الأخبار المتداولة، يتولى مراجعة الصور والمقاطع والبيانات قبل نشرها، والاستعانة بمصادر مستقلة عند تغطية الحوادث الأمنية. ويمكن البدء بتكليف صحفيين اثنين بهذه المهمة داخل غرفة الأخبار، مع إعداد سجل للتصحيحات والأخطاء المنشورة.
ثانياً: ينبغي اعتماد إرشادات تحريرية واضحة لتغطية التطرف والعنف، تتضمن عدم نشر المواد الدعائية كاملة إلا لضرورة صحفية مبررة، وعدم تقديم ادعاءات الجماعات المسلحة بوصفها حقائق مؤكدة، وحماية هويات الضحايا عند الضرورة، وتجنب التعميم على المجتمعات المحلية أو المكونات الاجتماعية.
ثالثاً: يمكن إطلاق سلسلة أسبوعية قصيرة باللغة الصومالية، عبر الإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية، لتفنيد الشائعات وشرح الادعاءات المضللة وتقديم معلومات موثوقة. ويُفضّل أن تجمع هذه المواد بين الصحفيين والباحثين وعلماء الدين المؤهلين، وأن تستخدم لغة واضحة وأمثلة من الحياة اليومية بدلاً من الخطاب الوعظي المجرد.
رابعاً: تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى تدريب عملي للصحفيين على التحقق الرقمي، وأخلاقيات تغطية النزاعات، وتحليل خطاب التحريض. ويمكن تنفيذ ورشة تدريبية كل ثلاثة أشهر، بالتعاون مع الجامعات أو منظمات المجتمع المدني، ثم تقييم أثرها من خلال مراجعة عينات من المواد المنشورة قبل التدريب وبعده.
خامساً: من المهم توسيع مشاركة الشباب في إنتاج المحتوى، عبر استضافة مبادرات طلابية ومناقشات إذاعية ومساحات حوار رقمية تتناول قضايا التعليم والعمل والمواطنة وتسوية النزاعات. فإشراك الشباب في النقاش لا يضمن وحده الوقاية من التطرف، لكنه يوفر قنوات للتعبير والحصول على المعلومات ومناقشة المشكلات بعيداً عن التحريض.
سادساً: ينبغي بناء شراكات مهنية بين وسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني، لتبادل الخبرات وتوفير مصادر موثوقة وإنتاج مواد مشتركة. ويمكن أن تبدأ هذه الشراكات باجتماع تنسيقي شهري، وتحديد موضوع واحد لكل شهر، ونشر حصيلة العمل بشفافية مع الحفاظ على استقلالية المؤسسات المشاركة.
وأخيراً، يجب قياس النتائج بمؤشرات قابلة للتحقق، مثل: عدد الصحفيين الذين تلقوا التدريب، ونسبة المواد التي تستند إلى مصادر مستقلة، والوقت اللازم لتصحيح المعلومات الخاطئة، ومدى فهم الجمهور للمحتوى التوعوي. وينبغي أيضاً إجراء استطلاعات دورية محدودة لقياس الثقة بالمعلومات الإعلامية والقدرة على التمييز بين الخبر والرأي والدعاية، مع احترام الخصوصية وتجنب جمع بيانات شخصية غير ضرورية.
خلاصة القول
لا يستطيع الإعلام وحده إنهاء التطرف، لكنه قادر على الحد من انتشار الدعاية التحريضية، وتعزيز قدرة الجمهور على التحقق والتفكير النقدي، وتوسيع مساحة الحوار المسؤول. وفي الصومال، تبدأ فاعلية هذه المهمة من إجراءات مهنية بسيطة وقابلة للتطبيق، تتراكم آثارها بمرور الوقت: صحفي يتحقق قبل النشر، ومؤسسة تصحح أخطاءها، ومحتوى يجيب عن أسئلة الشباب، وشراكة تعزز الوصول إلى المعلومات الموثوقة.
فمواجهة التطرف لا تحتاج إلى خطاب أعلى صوتاً فحسب، بل إلى إعلام أكثر دقة ومصداقية وقدرة على تحويل الوعي إلى ممارسة يومية.

