التغلغل الإسرائيلي في الصومال: قراءة استشرافية مبكرة وتحذير لم يفقد راهنيته

المزيد للقراءة

في عام 1998م نشرتُ مقالاً بعنوان «التغلغل الإسرائيلي في الصومال» في صحيفة الرأي العام السودانية -الخرطوم -إحدى أشهر الصحف السودانية المستقلة، وذلك في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الصومال، حيث كانت البلاد تعيش فراغاً سياسياً كاملاً في ظل غياب حكومة مركزية فاعلة ومؤسسات دولة قادرة على ضبط المسار الوطني.

تناول المقال مضمون الرسالة التي بعثها الزعيم الراحل محمد إبراهيم عِغَال في 1995م إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ، والتي طلب فيها دعماً إسرائيلياً لـ«صومالي لاند» والسعي نحو الاعتراف بها.

وقد انطلق التحليل من تفكيك أبعاد تلك الرسالة السياسية والاستراتيجية، محذّراً منذ ذلك الوقت من أن خطوة التوجه نحو إسرائيل لن تحقق الأهداف المرجوة، ولن تفضي إلى اعتراف حقيقي أو استقرار دائم، بل ستقود إلى نتائج عكسية تُعمّق الانقسام الداخلي وتضعف الموقف الصومالي على المدى البعيد.
وجاء ذلك المقال في سياق استشراف المستقبل، انطلاقاً من قراءة مبكرة للتحولات الإقليمية والدولية، ومحاولة فهم كيفية توظيف الكيان الإسرائيلي لحالات الفراغ السياسي والانقسام الداخلي في الدول الهشة. وقد خلصتُ آنذاك إلى أن الرهان على إسرائيل لا يعدو كونه وهماً سياسياً، وأن أي محاولة للالتفاف على الشرعية التاريخية والجغرافية للصومال عبر بوابة الاعتراف الخارجي ستقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى نتائج عكسية، لا تمنح الكيان المنشود شرعية حقيقية ولا أمناً مستداماً.
كما أكدت في المقال أن غياب الدولة الصومالية المركزية في تلك المرحلة لا يعني سقوط الحق السيادي، ولا يبرر فتح قنوات مع أطراف خارجية معروفة باستراتيجياتها القائمة على تفكيك الدول وإعادة تشكيلها وفق مصالحها.

وحذّرت من أن مثل هذه الرسائل السياسية، مهما بدت تكتيكية أو اضطرارية، ستُسجَّل في الذاكرة الاستراتيجية للأمن القومي الصومالي والعربي، وستُنظر إليها بوصفها اختراقاً خطيراً لمنطقة القرن الإفريقي، ذات الأهمية الجيوسياسية البالغة، والمرتبطة ارتباطاً مباشراً بالأمن البحري والممرات الدولية الحيوية.
واليوم، وبعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود، تُثبت الوقائع أن تلك التحذيرات لم تكن ضرباً من التخمين أو المبالغة، بل كانت قراءة واقعية لمسار كان يتشكل بهدوء. فقد اتضح أن إسرائيل لم تكن معنية بدعم كيانات من أجل الاستقرار أو التنمية، بقدر ما كانت تسعى إلى توسيع نفوذها الأمني والاستخباراتي في الممرات البحرية الحساسة، واستثمار الانقسامات الداخلية كأدوات ضغط ومساومة، بما يخدم أجنداتها الإقليمية والدولية.
إن إعادة استحضار ذلك المقال اليوم لا تأتي من باب التباهي بالسبق الصحفي أو التحليل المبكر، وإنما للتأكيد على حقيقة سياسية واستراتيجية راسخة مفادها أن وحدة الصومال، مهما تعرضت للاهتزاز، تظل صمام الأمان الحقيقي للأمن الوطني الصومالي وللأمن القومي العربي، وأن المشاريع القائمة على التفكيك والتحالفات المشبوهة لا تصنع دولاً، بل تؤسس لأزمات ممتدة يدفع ثمنها الجميع، عاجلاً أم آجلاً.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا