الجذور الفكرية والعقائدية للحركة الحوثية: من التراث الزيدي إلى الأيديولوجيا الثورية والتقارب مع إيران
إعداد: كريم وجدي
مقدمة
لا يمكن فهم الحركة الحوثية في اليمن من خلال اختزالها في كونها جماعة شيعية موالية لإيران؛ إذ إن هذا التوصيف، على الرغم من إشارته إلى أحد أبعادها السياسية والاستراتيجية، لا يفسر وحده نشأتها التاريخية وتطورها الفكري والعقائدي. فقد تشكلت الحركة في بيئة دينية واجتماعية يمنية ذات جذور زيدية، ثم شهد خطابها تحولات تدريجية بفعل عوامل محلية وإقليمية، شملت الصراع المذهبي، وأزمات الدولة اليمنية، وتأثير الثورة الإيرانية، وصعود الخطاب السياسي القائم على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن هذا المنطلق، فإن دراسة الخلفية الفكرية للحوثيين تقتضي التمييز بين المذهب الزيدي بوصفه مدرسة دينية تاريخية، والإمامة الزيدية بوصفها تجربة سياسية حكمت أجزاء من اليمن، والحركة الحوثية المعاصرة بوصفها تنظيمًا دينيًا وسياسيًا وعسكريًا أعاد توظيف عناصر من التراث الزيدي ضمن مشروع تعبوي حديث.
ويهدف هذا التقرير إلى تحليل أهم الروافد الفكرية والعقائدية التي أسهمت في تشكيل الحركة الحوثية، مع التمييز بين الحقائق التاريخية، والتفسيرات البحثية، والمسائل التي لا تزال محل نقاش.
أولًا: الجذر الزيدي والخلفية التاريخية
ترتبط الجذور الدينية للحوثيين بالمذهب الزيدي، الذي استقر في اليمن منذ القرن الثالث الهجري، والتاسع الميلادي، مع وصول الإمام الهادي يحيى بن الحسين إلى شمال البلاد في أواخر القرن التاسع الميلادي. وأصبحت صعدة ومحيطها أحد أهم مراكز الزيدية الدينية والسياسية، قبل أن يمتد نفوذ الأئمة الزيديين إلى مناطق واسعة من اليمن عبر فترات تاريخية مختلفة.
وتتميز الزيدية عن المذهب الاثني عشري السائد في إيران باختلافات جوهرية في نظرية الإمامة وبعض المسائل العقدية والفقهية. فهي لا تتبنى الاعتقاد نفسه في الإمام الغائب، ولا تقوم نظريتها التقليدية على عصمة الأئمة بالطريقة المعروفة في الاثني عشرية. كما ارتبطت بعض تقاليدها الفكرية بالاجتهاد والعقل والمناظرة، وتأثرت قطاعات من علمائها بالتراث المعتزلي.
ومن أبرز عناصر التصور السياسي الزيدي التقليدي إعطاء أهل البيت مكانة مركزية في الإمامة، وربط شرعية القيادة الدينية والسياسية بشروط معينة في النسب والعلم والقدرة على القيام بالإمامة. كما عرفت بعض تقاليدها الدعوة إلى الخروج على الحاكم الجائر، وإن اختلفت المواقف التاريخية من هذه المسألة بحسب الظروف والاجتهادات.
وقد وفّر هذا التراث خلفية فكرية يمكن توظيفها في الخطاب الحوثي، ولا سيما فيما يتعلق بشرعية القيادة، ومقاومة الظلم، ومكانة أهل البيت. غير أن وجود هذه العناصر في التراث الزيدي لا يعني أن الحركة الحوثية تمثل جميع الزيديين أو أن جميع الزيديين يتبنون مشروعها السياسي والعسكري.
ثانيًا: الإرث الإمامي والذاكرة السياسية في شمال اليمن
لا يقتصر فهم البيئة التي نشأت فيها الحركة الحوثية على المذهب الزيدي، بل يشمل أيضًا الذاكرة التاريخية للإمامة التي حكمت أجزاء واسعة من شمال اليمن على مدى قرون، وصولًا إلى قيام الجمهورية اليمنية عام 1962 في شمال البلاد.
وقد تركت هذه التجربة إرثًا اجتماعيًا وسياسيًا متداخلًا، ارتبط بمكانة الأسر الهاشمية، وبالعلاقة بين السلطة الدينية والشرعية السياسية، وبالتنافس على النفوذ في المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم بعض جوانب الخطاب الحوثي المتعلق بمكانة أهل البيت والقيادة بوصفها امتدادًا انتقائيًا لبعض عناصر الذاكرة الإمامية، لا استعادة مطابقة للنظام الإمامي التاريخي.
ومن الضروري هنا الفصل بين الانتماء الهاشمي، والاعتقاد الزيدي، والتأييد السياسي للحوثيين؛ فهذه دوائر مختلفة لا تتطابق بالضرورة. كما أن المجتمع الزيدي نفسه يضم اتجاهات متعددة، بعضها يعارض المشروع الحوثي أو يختلف معه في رؤيته للدولة والسلطة.
ثالثًا: التنافس مع التيارات السلفية
شهدت مناطق شمال اليمن، ولا سيما منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، توسعًا في النشاط السلفي، في ظل تحولات سياسية ودينية داخل البلاد وخارجها. وأصبحت صعدة إحدى أبرز ساحات التنافس بين المؤسسات الدينية الزيدية والمراكز السلفية.
وبرز مركز دار الحديث في دماج بوصفه أحد أهم مراكز التعليم السلفي في اليمن، قبل أن يتحول التنافس الفكري والمذهبي في المنطقة إلى مواجهات مسلحة، خصوصًا خلال السنوات التي سبقت عام 2014.
وقد أسهم هذا التنافس في تعزيز الشعور لدى بعض الأوساط الزيدية بأن هويتها الدينية تتعرض للتهميش أو الاستهداف. واستثمرت الحركة الحوثية هذا السياق في بناء خطاب يربط الدفاع عن الهوية المذهبية بمقاومة النفوذ السياسي والفكري المنافس.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير نشأة الحركة الحوثية بالصراع مع السلفية وحده؛ فقد تداخل هذا العامل مع أزمة الدولة اليمنية، والتوترات الاجتماعية، والتحولات الإقليمية، والصراع على السلطة. كما أن وصف هذه المواجهات بأنها صراع مذهبي خالص يتجاهل أبعادها السياسية والعسكرية والمحلية.
رابعًا: منتدى الشباب المؤمن وبدايات التنظيم الحوثي
يُعد منتدى الشباب المؤمن أحد المحطات الأساسية في نشأة الحركة الحوثية. فقد تأسس في أوائل التسعينيات، ويُشار عادة إلى عام 1992 بوصفه تاريخًا لبداياته، بهدف إحياء التعليم الزيدي وتوفير إطار تربوي وثقافي للشباب في صعدة ومناطق أخرى من شمال اليمن.
ومع مرور الوقت، شهد المنتدى تحولات داخلية، وتنامى فيه اتجاه أكثر اهتمامًا بالقضايا السياسية ومواجهة الخصوم الفكريين. وكان حسين بدر الدين الحوثي من أبرز الشخصيات التي ارتبطت بهذه المرحلة، قبل أن يتبلور المشروع الحوثي في صورة حركة سياسية ذات خطاب تعبوي وموقف تصادمي مع الحكومة اليمنية.
ولا يصح تصوير هذا التحول على أنه انتقال فوري من نشاط ديني إلى تنظيم عسكري مكتمل؛ فقد جرى تدريجيًا، في سياق خلافات سياسية وأمنية، وتصاعد التوتر بين الحركة والسلطات اليمنية، وصولًا إلى اندلاع الحروب في صعدة عام 2004.
ويمثل هذا المسار مرحلة انتقالية مهمة؛ إذ أخذت الحركة تعيد تعريف وظيفتها، فلم يعد إحياء التراث الزيدي هدفًا تعليميًا فحسب، بل أصبح جزءًا من مشروع أوسع يسعى إلى التأثير في السلطة والدولة والمجتمع.
خامسًا: حسين الحوثي وإعادة صياغة الخطاب الديني والسياسي
يمثل حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس الحركة وقائدها خلال مرحلتها الأولى، شخصية محورية في تشكيل خطابها الأيديولوجي. فقد تجاوز في محاضراته ومواقفه حدود استعادة التراث الزيدي التقليدي، واتجه إلى صياغة خطاب يجمع بين مفاهيم دينية وسياسية معاصرة، منها مقاومة الظلم، ورفض الهيمنة الخارجية، والتمسك بالهوية الدينية، وانتقاد السياسات الأمريكية والإسرائيلية.
وأصبحت محاضراته، المعروفة في أدبيات الحركة باسم «الملازم»، من أهم المصادر التي يستند إليها أنصار الحوثيين في فهم رؤيتهم للعالم ومواقفهم السياسية.
ويمكن ملاحظة ثلاثة عناصر رئيسية في هذا الخطاب:
- البعد الديني والهوياتي: إبراز مكانة القرآن وأهل البيت، وربط الهوية الدينية بمسؤولية مواجهة ما تصفه الحركة بالانحراف أو الهيمنة.
- البعد السياسي: تقديم الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتباره جزءًا من مواجهة أوسع للنفوذ الخارجي في المنطقة.
- البعد التعبوي: الدعوة إلى تكوين جماعة متماسكة تمتلك وعيًا سياسيًا ودينيًا مشتركًا، وتلتف حول قيادة الحركة.
وقد ساعد هذا التركيب على تحويل الخطاب الديني إلى أداة للتعبئة السياسية وبناء الهوية التنظيمية. ومع ذلك، فإن تفسير مضامينه يتطلب قراءة النصوص الأصلية في سياقها التاريخي، والتمييز بين ما ورد فيها صراحة وبين الاستنتاجات التي يقدمها الباحثون بشأن آثارها السياسية.
سادسًا: الثورة الإيرانية وأثرها في تطور الأيديولوجيا الحوثية
أحدثت الثورة الإيرانية عام 1979 تحولًا مهمًا في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، خصوصًا من خلال خطابها المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل، ومفاهيم مقاومة الهيمنة والاستكبار، وربط الدين بالثورة والتغيير السياسي.
وقد ظهرت أوجه تشابه بين أجزاء من الخطاب الحوثي وهذه المفاهيم، ولا سيما في الشعارات السياسية، وطبيعة الخطاب التعبوي، ومركزية مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما تشير دراسات عن الحركة إلى تأثر حسين الحوثي ببعض جوانب التجربة الإيرانية، وإن كانت طبيعة هذا التأثر ومراحله ومداه تحتاج إلى تمييز دقيق بين التأثر الفكري والتنسيق السياسي والعلاقة التنظيمية.
ولا يعني هذا التشابه أن الحوثيين تحولوا ببساطة إلى نسخة يمنية من المذهب الاثني عشري الإيراني. فالحركة نشأت داخل بيئة زيدية يمنية، وتطورت استجابة لظروف محلية، قبل أن تتوسع علاقاتها الإقليمية وتزداد صلاتها بإيران.
ومن ثم، فإن الأدق هو النظر إلى التأثير الإيراني بوصفه أحد العوامل التي أسهمت في إعادة تشكيل الخطاب الحوثي، لا تفسيرًا وحيدًا لنشأة الحركة أو مسارها.
سابعًا: العلاقة بين التصور الزيدي وولاية الفقيه
تثير المقارنة بين الإمامة الزيدية ونظرية ولاية الفقيه في إيران أسئلة مهمة حول العلاقة بين الدين والسلطة السياسية.
ففي بعض تقاليد الزيدية، تُمنح القيادة الدينية دورًا سياسيًا، وتُربط شرعية الإمامة بشروط تتجاوز مجرد الوصول إلى الحكم بالقوة. كما تتضمن بعض الرؤى الزيدية التقليدية مبررات لمعارضة الحاكم الجائر.
أما نظرية ولاية الفقيه، في صورتها السياسية المعاصرة المرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتستند إلى اجتهادات فقهية اثني عشرية تمنح الفقيه المؤهل صلاحيات في إدارة الشأن العام خلال غيبة الإمام المهدي، مع اختلافات داخل الفكر الشيعي الاثني عشري حول نطاق هذه الولاية.
وعلى الرغم من وجود نقاط تقاطع عامة في إعطاء المرجعية الدينية دورًا في المجال السياسي، فإن الاختلافات العقدية والفقهية والتاريخية بين التصورين تظل جوهرية. ولذلك، لا يمكن مساواة الإمامة الزيدية بولاية الفقيه، أو اعتبارهما نظرية واحدة بأسماء مختلفة.
أما في الحالة الحوثية المعاصرة، فيمكن بحث مدى تأثير النموذج الإيراني في تنظيم القيادة والخطاب السياسي، لكن ينبغي عدم افتراض تطابق كامل بين بنية الحركة ومؤسسات الحكم في إيران دون أدلة محددة.
ثامنًا: من الهوية الزيدية إلى التقارب مع الفضاء الشيعي الأوسع
تاريخيًا، حافظت الزيدية اليمنية على خصوصيتها المذهبية، ولم تتطابق في جميع جوانبها مع الاثني عشرية الإيرانية. غير أن الحركة الحوثية المعاصرة أظهرت تقاربًا سياسيًا ورمزيًا أوضح مع إيران وبعض القوى المنتمية إلى ما يُعرف بمحور المقاومة.
وظهر هذا التقارب في الشعارات والمناسبات والخطاب السياسي، وفي إبراز قضايا مشتركة تتعلق بالولايات المتحدة وإسرائيل والصراع الإقليمي. كما أسهمت الحرب اليمنية وتطور العلاقات مع إيران في توسيع هذا التقارب.
لكن التحول في الهوية السياسية لا ينبغي أن يُفسر تلقائيًا بوصفه تحولًا مذهبيًا شاملًا لجميع أنصار الحركة. فالتقارب السياسي، والتأثر الفكري، والتغير في الممارسات الدينية، والتحول العقدي الكامل، أمور مختلفة تحتاج كل منها إلى أدلة مستقلة.
ومن ثم، فإن وصف الحوثيين بأنهم أصبحوا مطابقين للاثني عشرية الإيرانية يظل تعميمًا لا يراعي الفروق التاريخية والمذهبية، في حين أن تجاهل التقارب الفكري والسياسي مع إيران يتجاهل جانبًا مهمًا من تطور الحركة.
تاسعًا: القيادة والقرآن وبناء الهوية التنظيمية
يحتل مفهوم القيادة مكانة بارزة في الخطاب الحوثي المعاصر، حيث تُقدَّم القيادة بوصفها جهة مؤهلة لفهم الواقع وتوجيه الجماعة في مواجهة التحديات الدينية والسياسية. ويرتبط ذلك بتأكيد مرجعية القرآن في تحديد المواقف من القضايا العامة، وبخطاب يحث الأنصار على الالتفاف حول قيادة الحركة.
ويختلف هذا النموذج الحركي التعبوي عن كثير من صور التدين الزيدي التقليدي التي لم تتخذ بالضرورة شكل تنظيم سياسي مركزي ذي قيادة واحدة وخطاب تعبوي موحد.
ومن الناحية التحليلية، فإن الجمع بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية والتعبئة التنظيمية يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الانضباط الداخلي وتوحيد المواقف. لكنه يثير أيضًا أسئلة حول حدود المساءلة، وإمكان التعدد الفكري، وطبيعة العلاقة بين سلطة القيادة وحقوق المجتمع.
وتتطلب دراسة هذه المسألة التمييز بين التصورات التي تطرحها أدبيات الحركة عن نفسها، والممارسات الفعلية لمؤسساتها وسلطاتها في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
عاشرًا: من الحركة الفكرية إلى القوة السياسية والعسكرية
لم يتشكل الحوثيون بوصفهم قوة عسكرية وسياسية مؤثرة نتيجة التحولات الفكرية وحدها؛ فقد تداخل تطورهم الأيديولوجي مع النزاعات المحلية، والحروب الست التي شهدتها صعدة بين عامي 2004 و2010، ثم الانتفاضة اليمنية عام 2011، والتحولات السياسية التي أعقبتها.
وفي عام 2014، تمكنت الحركة من السيطرة على صنعاء بالتعاون مع حلفاء محليين، قبل أن تتوسع الحرب اليمنية وتدخل أطراف إقليمية على خط الصراع. وأسهمت هذه التحولات في انتقال الحوثيين من حركة ذات قاعدة محلية في شمال اليمن إلى سلطة أمر واقع تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية، وتشارك في صراع إقليمي أوسع.
وفي هذا السياق، تطورت العلاقة مع إيران من تقارب فكري وسياسي إلى تعاون ذي أبعاد استراتيجية وعسكرية. وتتناول دراسات وتقارير متعددة أشكال الدعم الإيراني للحوثيين، بما فيها نقل الخبرات والتكنولوجيا العسكرية والمساعدة في تطوير قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة. غير أن تحديد حجم هذا الدعم وتفاصيله يقتضي الاعتماد على أدلة موثقة، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والتقديرات الاستخباراتية والاتهامات السياسية.
كما أن العلاقة بين الطرفين لا تلغي دور العوامل اليمنية المحلية، ولا تعني بالضرورة أن كل قرار تتخذه الحركة يصدر بتوجيه مباشر من طهران. ففهم العلاقة يتطلب دراسة المصالح المشتركة، وأشكال الاعتماد المتبادل، وحدود استقلال القرار الحوثي.
الحادي عشر: الروافد الفكرية والعقائدية للحركة الحوثية
يمكن تلخيص أبرز الروافد التي أسهمت في تشكيل الحركة الحوثية في خمسة مستويات مترابطة:
- التراث الزيدي: بما يتضمنه من تصورات حول الإمامة ومكانة أهل البيت ومقاومة الحاكم الجائر.
- الذاكرة الإمامية اليمنية: بما تحمله من رموز تاريخية متصلة بالسلطة والشرعية الدينية والسياسية.
- الخطاب التأسيسي لحسين الحوثي: الذي أعاد صياغة عناصر دينية وتاريخية ضمن خطاب سياسي تعبوي معاصر.
- التأثر بالتجربة الإيرانية: خصوصًا في مفاهيم الثورة ومقاومة الهيمنة والخطاب المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل.
- الواقع اليمني المحلي: بما يشمله من صراعات الدولة، والتنافس المذهبي، والروابط القبلية، والتحولات الأمنية والسياسية.
ولا تمثل هذه المستويات مراحل منفصلة بالضرورة، بل تفاعلت فيما بينها على امتداد تطور الحركة. وقد أسهم هذا التفاعل في إنتاج هوية حوثية معاصرة لها خصوصيتها، ولا يمكن تفسيرها بالكامل من خلال المذهب الزيدي وحده، أو من خلال العلاقة بإيران وحدها.
خاتمة
تكشف دراسة الجذور الفكرية والعقائدية للحوثيين عن ظاهرة مركبة نشأت في بيئة يمنية زيدية، ثم أعادت صياغة أجزاء من تراثها الديني والسياسي في إطار أيديولوجيا ثورية وتعبوية حديثة، تأثرت بالتجربة الإيرانية وتطورت بفعل الصراعات الداخلية والتحولات الإقليمية.
وتقتضي القراءة البحثية المتوازنة التمييز بين الزيدية بوصفها مذهبًا تاريخيًا، والإمامة بوصفها تجربة سياسية، والحوثيين بوصفهم حركة معاصرة لها تنظيمها وقيادتها ومشروعها السياسي والعسكري. كما تقتضي عدم الخلط بين التأثر الفكري والارتباط السياسي والتبعية الكاملة، إذ إن إثبات كل مستوى من هذه المستويات يحتاج إلى نوع مختلف من الأدلة.
وعليه، فإن المعادلة الأكثر دقة هي أن الحوثية تمثل إعادة تركيب معاصرة لعناصر من الزيدية السياسية اليمنية ضمن خطاب ثوري متأثر بالتجربة الإيرانية، تشكل وتطور في سياق أزمات الدولة اليمنية والتنافس المذهبي والصراع الإقليمي. ويظل الدعم الإيراني عاملًا مهمًا في فهم قدرات الحركة وموقعها الاستراتيجي، لكنه لا يفسر وحده نشأتها أو جميع قراراتها ومساراتها.
إن فهم هذه الظاهرة يتطلب الجمع بين دراسة الأفكار، وتحليل السياق التاريخي، وفحص الممارسات السياسية والعسكرية، مع إبقاء الحدود واضحة بين الوقائع الموثقة والتفسيرات البحثية والاستنتاجات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأدلة.

