أنقرة مدينة العلم والمبشّرات، مكثتُ فيها شهرين وبضعة أيام، ولي فيها مشاهدات ومفاجآت، أدوّن بعضها حسبما تيسر بدءا من زيارة المساجد والأسواق، والمطاعم والمقابر، والمستشفيات والحذائق، والمراكز التعليمية، فالمساجد في تركيا تحظى بعناية فائقة، فمن حيث المساحة تبنى الجوامع في مساحات كبيرة، وتصمّم بتصاميم رائعة مشهورة بالمعمارية العثمانية، وأكثر المساجد التي زرتها مكونة من طوابق، وفيها مرافق عامة وملاحق تابعة للمساجد، منها غرفة للإمام والخطيب، وغرفة للمؤذن في بعض المساجد، ومكتبة علمية وغيرها، وفي بعضها مراكز قرآنية وكراسي، وفي الداخل المساجد مرفوشة بفرش جميلة، أما النظافة فهي عنوان لسكان البلد، وفي المساجد أشد وأظهر ، وحتى الملاحق ودورات المياه فنظيفة، ومن اللافت في بعض المساجد تشجير المساجد ووضع الرايات داخل المسجد ، وتأهيل المساحات والأفنية، وزخرفة جدرانه بآيات قرآنية، أو أسماء الصحابة كأسماء العشرة المبشرين بالجنة، أوبنصائح ثمينة في مسجد أولو جامع الذي ارتاده كتبوا على الجدران، “عجّلوا الصلاة فبل الفوت”، وفي الجانب الأيسر “عجلوا التوبة قبل الموت”، و الآذان موحّد في جميع المساجد، والإقامة سريعة وأسرع من الإقامة المقامة في الصومال، فلعلّ بين الإقامة والآذان خمس دقائق في تركيا، بينما لدى بني الصومال تصل إلى عشرين دقيقة، والحديث (بَينَ كلِّ أذانينِ صلاةٌ) معمول ومطبق لدي الأتراك، ، أعمال المؤذن كثيرة ، فبعد الفراغ من الصلاة يلقن الأدعية والأذكار للمصلين، وينبّه الناس لأداء الرواتب والنوافل، والقوم ملتزمون النوافل والرواتب حيث غالبية المصلين يقومون مباشرة لأداء الرواتب البعدية، ثم يشعر المؤذن الإمام بانتهاء الأعمال والأوراد، فيباشر الإمام بقراءة الدعاء الجماعي والختام،
ولكن صلاة الفجر تختلف حيث القوم يفضلون الإسفار وكأن الصبح تنفس، فقد يكون بين الأذان والإقامة ساعة أو أربعين دقيقة، حيث يسمع الإمام آذان المصلين آيات من القرآن بعد أداء سنة الفجر .وتصح الصلاة وقت الغلس والاسفار ولكنا تعوّدنا وقت الغلس والليل باق.
زرت اكبر مسجد فيها وهو جامع كجاتبي،(KOCATEPE CAMI) .وتعجبت ُمن تصاميمه الرائعة وكيفية تصميم اماكن الوضوء بمهنية فائقة، وعلى الزائر الجديد أن يعلم أن لبس الجوارب شرط هام لدخول المساجد في تركيا، وعيب أن تخلعها فالزم لبس الجوارب يا بطل،
بينما العكس معمول في ماليزبا فإعلان خلع الجوارب معلق في أبواب المساجد،
في إحدى الجمع رأيت بعض الأطفال يلعبون الكرة في ساحات المسجد، فقلت في نفسي: لوكانت في الصومال لضرب الناس الأطفال ضرب غرائب الإبل ، فالأطفال ممنوعون من الوضوء من حنفية المساجد في أغلب مساجد الصومال، سيما عند صلاة المغرب، وهناك حارس مولانا معمم يحمل عصا غليظة لمنع الأولاد الذين جاءوا من الملاعب الرياضية دخول المسجد والتطهر من مياه المسجد، وتلك مصيبة، وقديقع على المحظور ذلك الحارس:( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى) وهي لكلّ من صدّ عن طريق الصلاة والدعوة الى الله عز وجل.
الأسواق والبقالات هنا أكثرها متطورة وفي مباني جاهزة للتبريد والتخزين،لاسيما المجامع التجارية، والبضائع مسعرة ومكتوب عليها القيمة لا داعي للجرجرة مع البائع، فخذ ما بدا لك وادفع الثمن عند المحاسب، يوما ذهبت الى السوق الكبير في منطقة ألس وعجبتُ من الأصوات المرتفعة للبائعين لاستمالة قلب المشتري إلى متاجرهم من الخضروات واللحوم وغير ذالك، بعضهم ينادي السلعة باسمها التجاري باللغة الصومالية قائلاkabsar caleeyn ،
فدلفتُ اليه واشتريت الخضرة، ولعلهم اكتشفوا أنّ الصومالي كريم بطبعه، وسخي لا يجرجر في الصفقات التجارية ، مع كثرة الزبائن والأسر الكبيرة لبني الصومال في بلاد الأتراك.
ميدان كزلاي من معالم السياحة وقلب المدينة النابض، لا سيما المجمع التجاري ، والمراكز والمباني الشاهقة، ومول كزلاي الشهير وإن زرتَ فاصعد الطابق الثامن ففيها بنو الصومال، ومسجد للصلاة وأغلب من يرتاده الصوماليون ذكورا وإناثا، ومن البشائر انَّ المرأة الصومالية محجبة بالحجاب الشرعي وبالطريقة الصومالية، ويصلين في المساجد عند دخول الصلاة، وتلك نعمة كبيرة ومن ثمار الصحوة والدعوة الإسلامية في الصومال.
المطاعم التركية فاخرة، ومجهزة بأحدث التجهيزات، فبما أنك في بلد مسلم فاللحوم من الأكلات المباحة ،والطبخة التركية عالمية لها نكهتها الشهية لمن تعوّد عليها، والشاورمة التركية حلوة مع حليب العيرانة الحامض، ويقول الخادم والمضيف “عافيات اولسن” معناها كُل بالهناء والشفاء، ولكني أفضّل المطاعم العربية وفي منطقتنا يَيل محلة سي، كيجورين، مطعم شهير باسم Africa sofrasi ، يقدم الماكولات اليمنية والصومالية والحبشية بأصناف متعددة، ويجلسه الصوماليين للونسة، وتحليل الأحداث الجارية في العالم وتبادل الخبرات مجانا، لمن يحسن ولمن لايحسن،
زيارة المقابر وأهل القبور
قال الشاعر جرير :” لولا الحياء لهاجني استعبار** ولزرت قبرك والحبيب يزار”
ولاأدري كيف الحياء يمنع الاستعبار والبكاء ولو قال لولا الجفاء لكان أسلم وأعمق، أمّي وجدتي حبيبة الملايين وأم المساكين القارئة الذاكرة :آمنة شيخ حسن شيخ عثمان الحاج نوري، ولدت في جلعسبوا مركز العلم والدين في قرن افريقيا، أسسها العلامة الحاج نوري أواخر القرن التاسع عشر الميلادي فسكنها الحسنيون وتلاميذه النجباء طلبة العصا السوداء، عاشت الجدة في مقديشوا زمنا،وبعد انهيار حكومة زياد استوطنت الوالدة مدينة دردوا في الصومال الغربي ، فأيام طلب العلم والذهاب إلى السودان أو إثيوبيا ،كنتُ أزورها مرارا وتكرارا وتحثني بالصبر لطلب العلم قائلة: فما انقادت الآمال إلا لصابر، ماتت في أنقرة في العقد السادس من عمرها عام 2018م، فقبرها هو الوحيد الذي لم يبن ولم يرتفع ولا قيد شبر بينما الآخرون زخرفوا المقابر ، وكنت برفقة الخال العزيز ولدها البار الاستاذ فهمي حسين الشيخ عبد القادر ، فسلمت عليها وجلست عند قبرها وتذكرتُ قول البارودي في رثاء أمه،
تألمتُ فقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدانَ الأحبة جازعاً.** ومنْ شفهُ فــــــــــــــــــــــــــــــــــقدُ الحـــــــــــــبيبِ تألما
وقدْ كنتُ أخشى أنْ أراكِ سقيمة.** فكيفَ وقدْ أصبحتِ في التربِ أعظما؟
وَكَيْفَ أَرَانِي نَاسِياً عَهـــــــــــــــْدَ خُلَّة.** ألفــــــــــــــــــــــــــــــــــــتُ هــــــــــــــواها: ناشئاً، ومحكما
عَلَيْكَ سَلاَمٌ لاَ لِقَاءَة بَعْدَهُ.** إِلَى الْحَشْرِ إِذْ يَلْقى الأَخِيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ الْمُقَدَّمَا.
امّا المستشفيات فالمواعيد منجزة، والأطباء مهرة، والأجهزة متطورة، والأسعار عندي شبه معقولة، والمشكلة في الترجمة والتواصل، فالقوم لا يجيدون إلا لغتهم نطقا وكتابة، والمترجم قد لا يفي المقصود، ومن اللافت حتى لا تتقاطع المصالح، فالطبيب يكتب الدواء، والمستشفى ليس عنده صيدلية، فتذهب إلى الخارج لتشتري الأدوية من الصيدليات، بينما المشافي في الصومال فالأسعار غالية والخدمات ضعيفة والطبيب لا يكتب إلا الأدوية التي في صيدليته، ولا يشرح استعمالاتها الا بعد التأكد أنك اشتريتَ من صيدلية المستشفى، وتلك مصيبة حلّت بنا فالضمير مات، ولاهمّ لهم إلا هم ّكسب الدنانير، ومن مصائب الدنيا نصف طبيب ونصف عالم كماقيل، فالأول يفسد الأبدان ، والأخر يفسد الأديان.
تكثر الحذائق والمنتزهات العامة في المدينة، وقد جهزت بأجهزة الألعاب والمنزلقات للصغار ومايناسب للكبار لأداء التمارين الرياضية، ومعالم خلابة وأجواء مناسبة للتنزه والترفيه، ومن حسن الحظ أني سكنت قرب أكبر منتزة في العاصمة وهو منتزة محمد على بارك الشهير.

