يشهد المشهد السياسي في جمهورية الصومال الفيدرالية تحولات متسارعة يصفها عدد من المراقبين بأنها من بين الأهم منذ أكثر من ستة وعشرين عامًا، في ظل مؤشرات على تحسن الأداء الحكومي، وتقدم أمني نسبي، وحراك دستوري وسياسي واسع، يقابله في الوقت ذاته استمرار تحديات بنيوية تتطلب معالجات طويلة الأمد.
أحد أبرز ملامح هذه المرحلة يتمثل في درجة التنسيق المؤسسي بين رئاسة الجمهورية ومكتب رئيس الوزراء، حيث يشير متابعون إلى تراجع الخلافات العلنية داخل السلطة التنفيذية مقارنة بسنوات سابقة. ويُنظر إلى هذا الانسجام على أنه عامل مساعد في تسريع اتخاذ القرار، وتحسين تنفيذ السياسات العامة، وإن كان البعض يؤكد أن استدامته مرهونة بتوازن المصالح السياسية داخل النظام الفيدرالي.
وعلى الصعيد الأمني، تواصل القوات الحكومية عملياتها العسكرية ضد الجماعات المسلحة، لا سيما في مناطق وسط البلاد، ومن بينها إقليم شبيلي الوسطى. وتقول السلطات إن هذه العمليات أسفرت عن إضعاف قدرات حركة الشباب وتقليص نفوذها في عدد من المناطق. في المقابل، يرى محللون أمنيون أن هذه النجاحات، رغم أهميتها، ما تزال بحاجة إلى تثبيت ميداني وخطط شاملة تمنع عودة الجماعات المسلحة بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وفي مجال السياسة الخارجية، يلاحظ مراقبون تحسنًا في وضوح الخطاب الدبلوماسي الصومالي، مع مساعٍ لإعادة بناء العلاقات الإقليمية والدولية على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة. وقد أسهم هذا التوجه في تعزيز حضور الصومال في عدد من المحافل الدولية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بتوازن العلاقات في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
سياسيًا، يشير محللون إلى تقارب نسبي بين الحكومة وبعض أطراف المعارضة حول قضايا تعتبر محورية، وعلى رأسها وحدة البلاد والحفاظ على مؤسسات الدولة. ويُعد هذا التقارب تطورًا لافتًا في سياق سياسي طالما اتسم بالاستقطاب الحاد. ومع ذلك، لا يزال الخلاف قائمًا حول ملفات أخرى، من بينها آليات تقاسم السلطة، وشكل النظام الانتخابي، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
اقتصاديًا، تتجه الأنظار إلى ملف النفط والغاز، بعد إعلان الحكومة نيتها المضي قدمًا في عمليات الاستكشاف تمهيدًا لبدء الإنتاج خلال فترة زمنية قد لا تتجاوز عامين. ويصف خبراء هذا الملف بأنه فرصة اقتصادية واعدة، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر تتعلق بالحوكمة والشفافية وتقاسم العائدات، في ظل تجارب إقليمية تظهر أن سوء إدارة الموارد الطبيعية قد يؤدي إلى أزمات سياسية واقتصادية.
وفي السياق ذاته، يشهد المشهد السياسي تحولًا في طبيعة المعارضة، حيث برزت قوى معارضة تقدم نفسها كمعارضة وطنية تعمل داخل الأطر الدستورية، مقابل تراجع نفوذ أطراف تُتهم بالارتباط بأجندات خارجية. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس درجة من نضج الحياة السياسية، وإن كان ما يزال في مراحله الأولى.
وعلى المستوى الدستوري، أحرزت البلاد تقدمًا تدريجيًا في مسار مراجعة الدستور، وهو ملف ظل عالقًا لسنوات بسبب الخلافات السياسية. ويعتبر مختصون أن استكمال هذا المسار يمثل شرطًا أساسيًا لترسيخ النظام الفيدرالي وتوضيح الصلاحيات بين مؤسسات الدولة.
وتوجت هذه التطورات بإجراء انتخابات داخل العاصمة مقديشو للمرة الأولى منذ 56 عامًا، وهي خطوة رمزية تعكس تحسن الوضع الأمني مقارنة بفترات سابقة، وتفتح الباب أمام استعادة تدريجية للحياة السياسية في العاصمة، رغم استمرار التحديات اللوجستية والأمنية.
ويرى محللون أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس انتقال الصومال إلى مرحلة جديدة من مسار بناء الدولة، دون أن تعني تجاوز جميع العقبات. ويؤكدون على أن نجاح هذه المرحلة سيعتمد على قدرة الحكومة والقوى السياسية على تحويل الإنجازات الحالية إلى مؤسسات مستدامة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد لضمان عدم الارتداد إلى مراحل عدم الاستقرار السابقة

