لم يتوقف صديقي عند هذا الحد، بل انتقل من النقد واستحضار الدرس التاريخي إلى سؤالٍ شخصي:
«هل أنت من أسرة مثقفة تشجّع أفرادها على القراءة؟ وكيف تعلّمتَ الكتابة؟»
فأجبته، مستعيدًا –مع اختلاف السياق والدين– ما قاله المفكر الإفريقي جون هنريك كلارك:
«نشأتُ في أسرة لم تكن تقرأ أي كتاب سوى القرآن».
لا أنتمي إلى أسرة مثقفة أو نهمة في القراءة؛ فأبي كان بدويًا، وتوفي وأنا في مهد الصبا. أما أمي العصامية، فكانت مناضلة بحق؛ صبرت على تربيتنا، وحملت عبء الحياة، ولم تعرف الاستسلام يومًا. كانت شبه أمية، لكنها امتلكت حسًا شعريًا، وكانت خزانة حيّة للثقافة الصومالية والحكايات الشعبية، ومولعة بالقرآن، لا سيما بعد أن كبرنا وتفرّقنا في دروب الحياة، فوجدت متسعًا من الوقت لتدبّر كلام الله وفهمه.
أما الكتابة، فأراها ليست حرفة نتعلمها فحسب، بل موهبة نصقلها بالقراءة والممارسة والتجارب. وأنا أمارسها من باب «مُجبرٌ أخاك لا بطل»؛ إذ وجدت نفسي مدفوعًا إليها باعتباري من جيل تلقّى صفعات قاسية من الحياة. جيل أرهقه التشريد، ونشأ في سنوات عصيبة، وبدأ يكتب ما يغلي في داخله بمختلف اللغات، في محاولة لانتشال الوطن من براثن التغييب، وفهم الواقع، والسعي إلى تغييره نحو الأفضل.
ورغم إدراكي أن ميدان الكتابة واسعٌ ومرهق، وأن نصوصي قد لا ترقى دائمًا إلى المستوى المنشود، فإنني أحاول توثيق الألم ورسم ملامح الأمل قبل أن يتسرّبا من الذاكرة. وأرفض بشدة أن يكتب «الآخر» عنا. كما أعي أننا –نحن الكُتّاب الذين نشأوا في أتون الصراعات، ويكتب كثيرٌ منا بلغات غير لغته الأم– نواجه نقدًا حادًا في مجتمع لا يشجّع على الثقافة والكتابة، ومثقلٍ بأعبائه اليومية.
لكن يبقى السؤال:
هل نواصل كتابة التحوّلات الكبرى التي تطرأ على الدولة والمجتمع، ونسعى إلى تحسين أدواتنا ما استطعنا؟ أم نصغي إلى النقّاد ونتوقف عن الكتابة حتى نبلغ مستوى يرضي ذائقتهم؟
هل نستمر في تدوين آلام المجتمع وما مرّ به من معاناة بصدقٍ وتجرد، علّنا نُسهم في إيجاد حلول ومعالجة الندوب التي خلّفتها الحرب في النفوس؟
في خضم هذا الجدل، يحضرني قول الكاتب الإنجليزي سومرست موم:
«كانت لغتي في الكتابة عادية، ومحصولي من الكلمات محدودًا، ومعرفتي بقواعد اللغة مهزوزة، وعباراتي مبتذلة… ولكنني لم أتوقف لأتساءل: هل أسلوبي جيد أم رديء؟».
إن إحساسًا عميقًا بالمسؤولية ينتابني تجاه كتابة ما يعيشه الإنسان الصومالي، الذي تأخر عن ركب الحضارة والتاريخ. وأؤمن أننا اليوم مؤهلون –بطريقة أو بأخرى– للكتابة عن وطنٍ مثقل بالقلق منذ عقود، وعن شعب تطارده لعنة الخلافات، وقادة ابتلوا بقِصر النظر، وتخبّط القرارات.
فهل ستنجح الأجيال القادمة في محو شقاء هذا الوطن؟

