المقامة الصّهيونيّة.
حدّثنا ذهب بن فضة قال:
في السادس والعشرين من ديسمبر لسنة خمس وعشرين بعد الألفين حدث شرّ عظيم في أرض الصومال المحروسة، ووقع زلزال كبير، اهتزّت له الضمائر قبل أن تهتز له المصائر، واستيقظ الناس على وقع رزء جلل، يشيب لها الولدان، ويندى له الجبين، إذْ استباح مجرم الحرب النتن ياهو حرمة السيادة الوطنية، ولطّخ أرضها الطاهرة بأياديه المدنّسة بدماء أطفال غزة المطهّرة، مدّعيا الاعتراف بصومال لاند. فهل سمعتم -يا قوم- مغتصبا فاقد الشرعية يعطي لغيره الشرعية؟! وهل رأيتم – يا أولي الألباب – محرم حرب مطلوب للعدالة الدولية يبشّر بنشر العدالة؟!
قال الراوي:
فما إن شاع الخبر وتطاير الشرر، حتى خرجت الجموع في هرجيسا؛ للاحتفال باليوم المشهود، وأبرزت الخدور المحجبات يطلقن الزغاريد، ويرفعن نجمة داود إلى جانب علم التوحيد، ويمرحن مع اليهود في محفل مشهود، رثى له الصديق الناصح، ورقّ له العدوّ الكاشح، حتى تمنى الناس لو خسفت بهم الارض، أو أطبقت عليهم السماء، وكانوا نسيا منسيا، ولم يروا هذا العذاب المقيم، ولا شاهدوا هذا العرض المهين.
قال ذهب بن فضة:
وهناك امتحن العلماء، وابتلي الفضلاء، فمنهم من فضّل السكوت ولازم الصموت، وقد يئس من الإصلاح كما يئس الكفار من اصحاب القبور، ومنهم من دعا إلى طاعة الحاكم، ولو جلد ظهرك، وألجم غربك، وخذل أخاك، وناصر عدوّك، ومنهم من أفتى بجواز الاستعانة بالعدوّ لنيل العلوّ، ومنهم من كظم الغيظ، وتجرع الغصص، حتى تحين الفرص، وقلّة آثرت الوقوف مع الحق، والصدع بقول الحق، ولو أدى إلى قطع الحلق.
قال ذهب بن فضة:
وفي يوم الجمعة غدوت إلى المسجد الجامع في هرغيسا؛ لأداء صلاة الجمعة، فجلست في الصفّ الأوّل، يحفّني الغم، ويحيطني الهمّ، فلم أفتح صفحة في المصحف، ولا ارتحت تحية للمسجد، أفكّر في عجز الفاضل وجلد الفاجر. وبينا أنا على هذه الحال، إذْ طلع علينا خطيب شاب يدعي محمد الوليّ، وهو – كاسمه نظنّه – وليّ من أولياء الله، مكورا عمامته، مرتديا عباءته، متكئا على عصاه، عليه سيما أرباب الصوفية، وسمات أصحاب الصفة، فصعد المنبر، ثمّ نظر يمنة ويسرة، فزفر زفرة القيظ، وكاد يتميز من الغيظ، فقال: الحمد لله الخافض الرافع، يرفع من رفع راية التوحيد، ويضع من رفع شارة شارون، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، والصلاة والسلام على الرسول المصطفى، القائل “لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، قالوا : وكيف يذل نفسه ؟ قال : يتعرّض من البلاء ما لا يطيق” وها أنتم أولاء تتعرّضون من البلاء ما تطيقون وما لا تطيقون! أيها الناس ! من طبّع طبع الله على قلبه، ومن والى اليهود فقد خان العهود، ومن رفع شعار يهوه فقد هوى وأمّه هاوية. ثم علا صوت الخطيب، فاحمرّت عيناه، وانتفخت أوداجه، حتى خنق بالعبرة، وشرق بالدمعة، ثم أطبق وأطرق، ريثما يسكت عنه الغضب، ويغيض عن عينه الغرب، فقال: والله، لا تجتمع الدعاية الصهيونية والدعوة الإسلامية في شبه الجزيرة الصومالية. ثمّ رفع رأسه، وأشار بسبابته الى السماء، فقال: اللَهمّ هل بلغت، اللَهمّ فاشهد. ثم نزل فصلّى بالناس. فلما قضيت الصلاة، وأديت الفرض والنفل، وانتشر الناس لابتغاء الفضل، جاء العسس يسعى، فاعتقلوا الشيخ بغيا، واقتادوه الى السجن غصبا، وسمعه الناس يتمثّل بقول ابن الجهم:
قالت حبست فقلت ليس بضائري … حبسي وأي مهند لا يغمد
والحبس ما لم تغشه لدنيَة … شنعاء نعم المنزل المتورد.
قال الرّاوي:
فلمّا علم النّاس بمصير الشيخ بعد ما كشف في خطبته عن خطة الشين، قال بعض من حضر: إنّي لأجد ريح الدرويش، وأسمع وقع حوافر خيل زعيم الدراويش، فقال الآخر: وإني والله، كأنّي أرى راية فاتح الحبشة تخفق، وعصر الفتوح يبرق، وقال ثالثهم: بل إني أرى عهد شاور الفاطميّ قد أدبر، وسيف صلاح الأيوبيّ قد أقبل.
قال ذهب بن فضة: ثم جاءت الطامة الكبرى بعد عشرة أيام من الفجيعة الأولى، فوطئت قدم الصهيوني ساعور أرض الصومال، وهو كاسمه مسعر حرب، فتلقاه (عرو) وحاشيته بالأحضان، في مشهد عار لن تمحه الأيام، فقال ساعور: صومال لاند ليست دولة افتراضية مثل فلسطين” ويا للعجب ! دولة افتراضية مغتصبة تعترف بدولة افتراضية مقتطعة ! رمتني بدائها وانسلت ! وعلى نفسها جنت براقش !.
كتبه: عبدالواحد عبدالله شافعي.

















