صورة إلهام عمر وهي تواجه الرجل الذي اعتدى عليها، وتستعدّ للانقضاض عليه تدلّ على شجاعة متأصلة في النفس. وكانت العرب تقول للمرأة العاقلة القوية مثل إلهام ( رجلة)، وكذلك كان يقال للسيدة عائشة. وفي كتاب (الإمتاع والمؤانسة) لأبي حيّان التّوحيدي: “كان يقال في عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما (كانت رجلة العرب)، وإنما ضاعت هذه الصفة على مر الأيام بغلبة العجمان”. يبدي أبو حيان التوحيدي هنا ملاحظة دقيقة لطيفة كعادته في التعليق على الأفكار والأحداث التي تمر في عرض إمتاعه، ويلفت نظر القاريء ضياع هذه الصفة ( الرجلة) على مرّ الأيام، لضعف شوكة العرب، وسقوط دولتهم، وغلبة العجمان ! ويشير التوحيدي إلى قاعدة اجتماعية فصّلها بعده ابن خلدون في مقدمته، ترى التلازم بين سقوط سلطان الأمم، وتسلّط غيرهم عليهم، وبين الركون إلى الدعة والانكسار. وما نراه اليوم في مجتمعاتنا من الاستضعاف والاستكانة وغلبة الافرنج يتجاوز ضياع (الرجلة) من النساء إلى شيوع التخنّث وفساد الفطرة في كثير من الرجال. وبعد، ولو أن شيخنا التوحيدي بعث اليوم من مرقده، ورأى إلهام عمر وهي تناضل علجا متعجرفا جمع في يديه القوة والثروة وقهر الرجال حوله لرأى عجبا ولاضطرّ إلى العودة إلى كتابه (الإمتاع) فعدّله أو استدرك ما فاته من تقييد حكمه المطلق في ضياع الرجلة من النساء. وكان تعليق الوزير أبو عبدالله العارض لما سمع كلام التوحيدي في وصف السيدة عائشة برجلة العرب لافتا فقال: لو كان لأبيها ذكَرٌ مثلها لما خرج الأمر منه !
ما كلّ من طلب المعالي نافذا … فيها وﻻ كلّ الرجال فحولا.

