الوصول إلى البحر الأحمر.. بين الطموح الإثيوبي وحسابات الجغرافيا والسياسة*

المزيد للقراءة

*الوصول إلى البحر الأحمر.. بين الطموح الإثيوبي وحسابات الجغرافيا والسياسة*
*صراع الموانئ والنفوذ في القرن الأفريقي*
يعود ملف وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر ليحتل موقعًا متقدمًا في حسابات الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي، في ظل سعي أديس أبابا إلى تأمين منفذ بحري يخفف من اعتمادها الكامل على موانئ دول الجوار، ويمنحها مساحة أوسع للحركة الاقتصادية والاستراتيجية.
غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات معقدة، تجعل مسألة الوصول إلى البحر الأحمر ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل قضية ترتبط بتوازنات إقليمية، وصراعات داخلية، وحسابات أمنية بين دول المنطقة.
ويرى محللون أن الطموح الإثيوبي بالوصول إلى البحر الأحمر يصطدم بعوامل داخلية وخارجية قد تجعل تحقيقه مهمة صعبة، خصوصًا في ظل الأوضاع السياسية والأمنية المعقدة التي تمر بها إثيوبيا والمنطقة المحيطة بها.
*الانقسامات الداخلية.. التحدي الأكبر أمام إثيوبيا*
تواجه إثيوبيا تحديات داخلية مرتبطة بالتوترات بين القوميات والمكونات السياسية المختلفة، حيث لا تزال العلاقة بين المركز والأقاليم تشهد حالة من التجاذب والصراع.
وتبرز في المشهد الإثيوبي ملفات حساسة مرتبطة بالتوترات مع قوميات كبرى، من بينها التغراي، الأورومو، الأمهرا، العفر، إضافة إلى القومية الصومالية، وسط تنافس سياسي وتحالفات متغيرة تعكس طبيعة النظام الفيدرالي الإثيوبي المعقد.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه التحديات الداخلية قد يحد من قدرة الحكومة الإثيوبية على تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى تتطلب استقرارًا سياسيًا وأمنيًا طويل المدى.
*إريتريا.. الخيار الصعب والحسابات المعقدة*
تُعد إريتريا أحد أهم المسارات التي ترتبط بحلم إثيوبيا في استعادة منفذ بحري مباشر، بحكم موقعها على البحر الأحمر، إلا أن العلاقة بين البلدين تبقى محكومة بتاريخ طويل من الصراعات والحساسيات السياسية.
فرغم أن إريتريا تمثل خيارًا جغرافيًا مهمًا بالنسبة لإثيوبيا، فإن طبيعة التوازنات الإقليمية، والعلاقات المتشابكة مع القوى المحلية، تجعل هذا المسار محفوفًا بالتحديات.
كما أن تداعيات الحرب في إقليم تغراي والتحالفات السياسية التي تشكلت خلال السنوات الماضية أضافت مزيدًا من التعقيد إلى المشهد، وجعلت ملف البحر الأحمر مرتبطًا بشكل مباشر بالاستقرار الداخلي الإثيوبي.
*الصومال.. الجغرافيا الأقرب في الحسابات الإثيوبية*
في ظل صعوبة الخيارات الأخرى، يرى بعض المراقبين أن الصومال قد يصبح المسار الأكثر قربًا من حيث الموقع الجغرافي لتحقيق إثيوبيا هدف الوصول إلى البحر الأحمر أو البحر عبر السواحل الصومالية.
غير أن أي محاولة لتحقيق ذلك خارج إطار التفاهمات السيادية والقانونية قد تفتح الباب أمام أزمة إقليمية خطيرة، نظرًا لحساسية قضية السيادة الوطنية في منطقة عانت تاريخيًا من النزاعات الحدودية والتنافس الجيوسياسي.
ويحذر محللون من أن ضعف الوحدة الداخلية في بعض دول المنطقة قد يشجع القوى الخارجية على استغلال الخلافات المحلية لتحقيق مصالح استراتيجية، وهو ما يجعل تعزيز مؤسسات الدولة والوحدة الوطنية عاملًا أساسيًا لحماية المصالح القومية.
*الصومال بين تحديات الداخل ومخاطر الإقليم*
في خضم هذه التحولات الإقليمية، يواجه الصومال تحديًا مزدوجًا: بناء الدولة داخليًا، والتعامل مع المنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي.
ويرى كثيرون أن الانشغال بالصراعات السياسية الداخلية والتنافس على السلطة قد يصرف الانتباه عن ملفات استراتيجية تمس مستقبل البلاد، في وقت تمتلك فيه الصومال مقومات كبيرة تجعلها دولة ذات أهمية إقليمية.
*فالصومال يمتلك أراضي زراعية واسعة، ويمر عبره نهرا جوبا وشبيلي، ما يمنحه فرصة لتحقيق نهضة زراعية قادرة على تلبية الاحتياجات المحلية وفتح أبواب التصدير.*
كما تتمتع البلاد بثروات طبيعية كبيرة تشمل الموارد البحرية، والثروة السمكية، إضافة إلى مؤشرات على وجود احتياطات من النفط والغاز والمعادن، وهي موارد يمكن أن تشكل أساسًا لاقتصاد قوي إذا توفرت الإدارة الرشيدة والاستقرار السياسي.
*التنمية تبدأ من بناء الإنسان*
تشير تجارب الدول التي حققت نهضات اقتصادية كبرى، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وماليزيا وتايوان، إلى أن الثروة الحقيقية لا تكمن فقط في الموارد الطبيعية، بل في الاستثمار في الإنسان والتعليم والعمل الجاد.
فالتنمية ليست نتيجة قرارات مؤقتة أو شعارات سياسية، وإنما حصيلة طويلة من بناء المؤسسات، وتطوير التعليم، وتعزيز ثقافة الإنتاج، واتخاذ القرارات الاستراتيجية الصحيحة.
*الخلاصة: الوعي بالمرحلة مسؤولية تاريخية*
تقف منطقة القرن الأفريقي أمام مرحلة حساسة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية. وبينما تبحث بعض الدول عن منافذ استراتيجية ومواقع نفوذ جديدة، فإن الصومال بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز وحدته الداخلية، وبناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحها واستثمار مواردها.
فالثروات التي تمتلكها البلاد يمكن أن تكون أساسًا لازدهار شامل، لكنها تحتاج إلى وعي سياسي، وتعليم، واستثمار، وتجاوز الانقسامات الداخلية.
إن التحدي الحقيقي أمام الصومال ليس فقط مواجهة طموحات الآخرين، بل بناء قوة داخلية تجعل البلاد قادرة على إدارة موقعها وثرواتها ومستقبلها بثقة واقتدار.

*عبدالرحمن سهل يوسف*
*مقديشو- الصومال*

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا