بعد تخرجي من الثانوية، وجدت نفسي أمام ثلاث قضايا رئيسية تتصارع في وجداني: العمل، الزواج، والجامعة.

المزيد للقراءة

بعد تخرجي من الثانوية، وجدت نفسي أمام ثلاث قضايا رئيسية تتصارع في وجداني: العمل، الزواج، والجامعة.
كانت رياح الزواج تهب من كل جانب، تغري القلب برغبة فورية، بينما كان طموح الالتحاق بالجامعة كنسيم هادئ يدعو إلى الصبر والتأمل.
بدأت عملي كمدرس في أحد معاهد العاصمة، وحين استلمت أول راتب شهري، حملته في كيس وعُدت إلى المنزل مسرورًا، وقلبي يفيض بالفرح والاعتزاز بأن جهودي قد أثمرت. في لحظة سذاجة بريئة، تخيلت أنه إذا اجتمع عندي راتب عدة أشهر، سأتمكن من الزواج من الفلانية في وقت قريب… كان ذلك في عام 2004.
لكن قلبي لم يكن مستقراً، بين الدخول إلى الجامعة والتخطيط للزواج، كان التردد ينهش روحي. فجأة، دعاني والدي، وجلس معي في لحظة حانية، وقال كلمة واحدة قلبت حياتي:
“لا تتخيل الزواج الآن، أمامك رحلة من التعليم، وأنت لا شيء إذا لم تكمل المرحلة الجامعية.”
حينها شعرت وكأن نفسي قد استيقظت، وهمة قلبي قد شُحذت، وكأن الروح قد أدركت معنى الجد والعمل، وبدأت رحلة التكوين الداخلي.
وبعد فترة، اتصلت بالشيخ الفاضل، معلمي محمود شيخ حسن فارح، طالبًا منه حاجة واحدة فقط: التوظيف بعد إتمام الثانوية. فأجابني، في حيرة لطيفة: هل أختار لك جامعة الأزهر في مصر أم جامعة الإحقاف في اليمن؟ وأنت تطلب الوظيفة في المعاهد؟
كان كل هذا اختبارًا للنفس، اختبارًا للهدوء الداخلي، لصبر الروح، ولحكمة اتخاذ القرار بين رغبة فورية وطريق طويل من العلم والنضج.
وبفضل رعاية أهل العلم والتصوف، من والدي ومعلمي محمود، بدأت أفهم نفسي وأدرك سلم الذات العليا. وبعد شهور، اتجهت صوب جامعة الإحقاف 2005، درست وتخرجت، وأكملت المراحل الثلاث، ثم جاء الزواج، وأصبح العمل والمال جزءًا من حكمة أكبر، حكمة تصفية الذات واكتساب النضج الروحي الذي يعلم الله سره.
كان موعد زواجي مقررًا في عام 2003، لكن قدر الله أن جاء 2017 ليُكتب لي الزواج في سن النضج، والله وحده يعلم الحكمة.
لولا هذا التأخير، لكان وزواجي في عام 2003 قد جعل مني أبًا يربّي الأطفال وهمه الحفاظ على لقمة العيش، الحليب،والحفاظة  و العمل، وملء السلة، بينما كانت الجامعة والوعي والمستقبل غائبة عن قلبه.

حينما يتقدم العمل والزواج على العلم والوعي، يصبح القلب مثقلاً بالهموم اليومية، مُرهقًا، وتضيع فيه القدرة على التأمل والتفكير في المستقبل، ويصبح الإنسان مثل شجرة مزروعة في أرض قاحلة، تُجنى ثمارها مبكرًا قبل أن تنمو جذورها بشكل صحيح.
أما حين يُؤجل الزواج إلى أن يكتمل العلم والوعي، فإنه يصبح قادرًا على الموازنة بين الحياة العملية والاجتماعية والروحية، ويستطيع أن ينمي قلبه وعقله قبل أن يتكفل برعاية أسرة. هنا الفرق يصبح واضحًا كالليل والنهار: من يعيش تحت وطأة المسؤوليات قبل الأوان مثل نبتة تُجنى ثمارها قبل أن تتعمق جذورها، تذبل مع أول ريح، بينما من ينمو داخليًا قبل أن يغوص في متاهة الحياة اليومية يشبه شجرة ثابتة الجذور، ممتدة الفروع، تعطي ثمارها في موعدها، وتظل صامدة أمام العواصف.
وهكذا، يصبح تأخر الزواج والتمهل في اتخاذ القرارات ليس مجرد ترف أو تأجيل، بل حكمة روحية ونفسية، تسمح للقلب بالتحرر، وتتيح للهمم أن تُنمي المجتمع، لا أن تُستنزف في الحياة اليومية فقط.

Share

اقرأ هذا أيضًا