لم تتغير صورة الولايات المتحدة عن العالم فحسب، بل تغيرت صورة العالم عن نفسه. فقد كشفت الهجمات التي استهدفت نيويورك وواشنطن أن قوة عسكرية واقتصادية عظمى يمكن أن تتعرض لضربة استراتيجية من تنظيم غير حكومي، وأن الحدود والجغرافيا لم تعد كافية لحماية الدول من تهديدات عابرة للقارات.
بعد ذلك اليوم، دخل العالم مرحلة جديدة أُطلق عليها اسم «الحرب العالمية على الإرهاب». خاضت الولايات المتحدة وحلفاؤها حروباً في أفغانستان والعراق، وتوسعت العمليات الخاصة والغارات الجوية والطائرات المسيّرة، وتشددت أنظمة الرقابة على الحدود والمطارات والتحويلات المالية، وأصبحت أجهزة الاستخبارات تتبادل المعلومات على نطاق غير مسبوق.
لكن بعد ربع قرن، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل جعلت هذه الحرب العالم أكثر أمناً؟
الإجابة ليست نعم أو لا.
انتصار أمني… ونصر استراتيجي ناقص
لا يمكن إنكار أن الحرب على الإرهاب حققت نتائج مهمة. فقد تعرض تنظيم القاعدة لضربات متتالية، وتفككت أجزاء كبيرة من بنيته القيادية والعملياتية، وقُتل أسامة بن لادن في 2011. كما تطورت قدرات أجهزة الأمن والاستخبارات في كشف الشبكات الإرهابية وتعقب تمويلها ومنع عدد كبير من الهجمات.
وأصبح التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب أكثر مؤسسية. فالدول التي كانت تتعامل مع الإرهاب باعتباره مشكلة داخلية أصبحت تنظر إليه باعتباره تهديداً عابراً للحدود، يحتاج إلى تعاون في الاستخبارات والتمويل وأمن الحدود والقضاء والأمن السيبراني.
لكن هذه النجاحات لا تعني أن الحرب حققت هدفها الأكبر.
فالإرهاب لم يختفِ؛ بل تغير شكله.انتقل العالم تدريجياً من مواجهة تنظيم مركزي ذي قيادة واضحة مثل القاعدة إلى منظومة أكثر تعقيداً تضم فروعاً وشبكات وجماعات محلية تستفيد من النزاعات الأهلية وضعف مؤسسات الدولة والحدود المفتوحة.
وهنا تكمن المفارقة: تم إضعاف بعض التنظيمات، لكن البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج التطرف بقيت قائمة في مناطق عديدة.
أفغانستان: عقدان من الحرب والعودة إلى نقطة البداية
كانت أفغانستان الاختبار الأول للحرب الجديدة. استطاعت القوات الأمريكية وحلفاؤها إسقاط حكومة طالبان وإجبار قيادة القاعدة على الاختباء أو مغادرة البلاد، لكن المهمة تحولت تدريجياً من مطاردة تنظيم إرهابي إلى مشروع طويل لبناء دولة ومؤسسات أمنية وسياسية.
استمرت الحرب نحو عشرين عاماً، وأنفقت خلالها موارد هائلة وسقط عدد كبير من الضحايا.
ثم جاء المشهد الأكثر دلالة: انسحاب القوات الأمريكية عام 2021 وعودة طالبان إلى السلطة.
لم يكن ذلك يعني أن كل ما تحقق خلال عقدين اختفى، لكنه أظهر حدود القوة العسكرية عندما لا تترافق مع تسوية سياسية مستدامة ومؤسسات محلية قادرة على البقاء بعد انسحاب القوة الخارجية.
كانت أفغانستان درساً استراتيجياً واضحاً: يمكن للجيوش أن تربح المعارك، لكن بناء السلام أكثر تعقيداً من كسب الحرب.
العراق: الحرب التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط
أما العراق، فقد كان أكثر إثارة للجدل.
فالغزو الأمريكي عام 2003 لم يكن رداً مباشراً على هجمات 11 سبتمبر، ومع ذلك أصبح جزءاً مركزياً من المرحلة التي أعقبتها.
سقط نظام صدام حسين بسرعة، لكن انهيار مؤسسات الدولة الأمنية والسياسية فتح الباب أمام تمرد مسلح وصراع طائفي وتدخلات إقليمية ودولية.
ومن رحم الفوضى العراقية تطورت بيئات ساعدت لاحقاً على ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» المعروف باسم داعش، الذي تمكن في 2014 من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا وأعلن ما سماه «الخلافة».
وهكذا ظهرت مفارقة تاريخية أخرى: الحرب التي هدفت، من بين أهدافها، إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط ساهمت في خلق فراغات استغلها تنظيم أكثر تطرفاً من القاعدة.
من القاعدة إلى داعش… ومن التنظيم إلى الشبكة
أحد أهم التحولات خلال السنوات الماضية أن الإرهاب لم يعد يعتمد بالضرورة على وجود مركز واحد قوي.
استفادت التنظيمات المتطرفة من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن الأزمات السياسية والحروب الأهلية، ومن ضعف السيطرة الحكومية على بعض المناطق.
ظهر تنظيم داعش كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فقد جمع بين السيطرة على الأرض، والدعاية الرقمية، وتجنيد المقاتلين الأجانب، واستغلال الانقسامات المحلية.
وفي أفريقيا، ظهرت أو توسعت جماعات مرتبطة بالقاعدة وداعش في مناطق مختلفة، بينما حافظت حركة الشباب في الصومال على قدرة عملياتية وتنظيمية مهمة رغم الحملات العسكرية المتكررة ضدها.
وهذا يوضح أن مكافحة الإرهاب لا يمكن اختزالها في قتل قادة التنظيمات أو استعادة المدن؛ فالتنظيمات تستطيع إعادة تشكيل نفسها عندما تجد بيئة سياسية وأمنية مناسبة.
الثمن الذي دفعته الحريات
هناك جانب آخر من إرث 11 سبتمبر لا يتعلق بالحروب الخارجية، بل بالعلاقة بين الأمن والحرية داخل الدول.
بعد الهجمات، توسعت صلاحيات أجهزة الأمن والاستخبارات في الولايات المتحدة ودول أخرى، وارتفعت مستويات المراقبة، وتشددت إجراءات السفر والتفتيش، وظهرت قضايا الاعتقال دون محاكمة والاستجواب القسري والسجون السرية.
كانت الحجة الأساسية واضحة: لا يمكن حماية الحرية من الإرهاب من دون منح الدولة أدوات أمنية قوية.
لكن السؤال المقابل كان أكثر صعوبة: إلى أي حد يمكن للدولة أن تتوسع في سلطاتها باسم حماية الحرية من دون أن تقوض بعض القيم التي تقول إنها تدافع عنها؟
هذه المعضلة لم تُحسم بصورة نهائية، ولا تزال مطروحة في النقاشات المتعلقة بالمراقبة الإلكترونية والخصوصية والأمن القومي.
هل أصبح الإرهاب أقل خطراً؟
إذا كان السؤال هو: هل تستطيع دولة مثل الولايات المتحدة اليوم اكتشاف مخطط إرهابي كبير والاستجابة له بصورة أفضل مما كانت عليه عام 2001؟
الإجابة على الأرجح نعم.
أما إذا كان السؤال: هل اختفى خطر الإرهاب العالمي؟
فالإجابة لا.
لقد أصبح الإرهاب في كثير من الحالات أكثر لامركزية وأقل قابلية للاحتواء عبر القضاء على قيادة واحدة.
وهذا يعني أن معيار النجاح يجب ألا يكون عدد قادة التنظيمات الذين قُتلوا فقط، وإنما قدرة الدول على منع الجماعات من الحصول على الأرض والتمويل والأسلحة والمقاتلين، والأهم منعها من اكتساب الشرعية الاجتماعية في البيئات التي تنشط فيها.
أفريقيا والصومال: الاختبار الأكثر تعقيداً
ربما تقدم أفريقيا المثال الأوضح على حدود المقاربة العسكرية وحدها.
ففي الصومال، كما في أجزاء أخرى من القارة، لا تواجه الدولة جماعة مسلحة فقط؛ بل تواجه أيضاً تحديات تتعلق ببناء المؤسسات، وتأمين المناطق الريفية، وتعزيز الاقتصاد، وإدارة الحدود، وتوفير الخدمات، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن هزيمة حركة الشباب لا يمكن أن تكون عملية عسكرية فقط.
حتى إذا نجحت القوات الحكومية في استعادة منطقة ما، فإن السؤال الاستراتيجي يبقى: من سيدير المنطقة بعد استعادتها؟ ومن سيوفر الأمن والعدالة والخدمات؟
إذا لم توجد إجابة مقنعة، فقد تتحول العملية العسكرية إلى دورة مؤقتة: استعادة منطقة، ثم انسحاب أو ضعف في الحضور الحكومي، ثم عودة الجماعة المسلحة.
وهنا يصبح بناء الدولة جزءاً من مكافحة الإرهاب، وليس ملفاً منفصلاً عنها.
القوة العسكرية مهمة… لكنها ليست كافية
أحد الأخطاء التي ظهرت في تجربة العقدين الماضيين هو الاعتقاد بأن الإرهاب يمكن هزيمته بالوسائل العسكرية وحدها.
القوة العسكرية ضرورية عندما تواجه الدولة تنظيماً مسلحاً يسيطر على الأرض أو يهدد السكان. لكنها لا تستطيع وحدها معالجة البطالة، أو الفقر، أو الفساد، أو النزاعات المحلية، أو ضعف العدالة، أو غياب الخدمات.
الإرهاب يستغل هذه المشكلات، لكنه لا ينشأ بسبب عامل واحد.
ولهذا فإن الاستراتيجية الأكثر فعالية هي التي تجمع بين:
الأمن والاستخبارات، وبناء المؤسسات، والتنمية الاقتصادية، والعدالة، والتعليم، ومكافحة التطرف، والتعاون الإقليمي والدولي.
وهذا هو الفرق بين إدارة الإرهاب ومعالجة الظروف التي تسمح باستمراره.
عالم أكثر أمناً أم عالم أكثر تعقيداً؟
بعد 25 عاماً من 11 سبتمبر، ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة.
العالم ليس بالضرورة أكثر أمناً أو أقل أمناً بصورة مطلقة؛ بل أصبح أكثر قدرة على اكتشاف بعض التهديدات، وفي الوقت نفسه أكثر تعقيداً من حيث طبيعة المخاطر.
فالإرهاب لم يعد التهديد الوحيد. هناك الحروب بين الدول، والحروب الأهلية، والهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وأزمات الغذاء والمياه والمناخ والهجرة، إضافة إلى التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.
لقد تغيرت خريطة المخاطر.
وإذا كان عام 2001 قد جعل الإرهاب في قلب الأمن الدولي، فإن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين يفرض على العالم التعامل مع منظومة متعددة من التهديدات المتداخلة.
الدرس الأهم
ربما يكون أهم درس من تجربة ما بعد 11 سبتمبر أن الأمن المستدام لا يبنى بالقوة وحدها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الدولة تستطيع تدمير معسكر تدريب، أو استعادة مدينة، أو قتل قائد لتنظيم مسلح. لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تضمن أن التنظيم لن يظهر مرة أخرى في مكان آخر.
كما أثبتت التجربة أن الفراغ السياسي والأمني أخطر أحياناً من قوة الخصم نفسه.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ضد الإرهاب ليست فقط في ساحة القتال، وإنما أيضاً في مؤسسات الدولة، وفي الاقتصاد، وفي القضاء، وفي التعليم، وفي قدرة الحكومة على كسب ثقة المواطنين.
بعد ربع قرن من 11 سبتمبر، يستطيع العالم أن يقول إنه أصبح أكثر خبرة في مكافحة الإرهاب، وأكثر تعاوناً في مواجهته، وأكثر قدرة على اكتشاف بعض مخاطره. لكنه لا يستطيع أن يقول إنه قضى على الإرهاب أو أنه أصبح أكثر أمناً في كل مكان.
والخلاصة الاستراتيجية ربما تكون بسيطة:
لقد نجح العالم في تطوير أدوات أفضل لملاحقة الإرهاب، لكنه لم ينجح بعد في بناء عالم يمنع الظروف التي تسمح للإرهاب بإعادة إنتاج نفسه.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للسنوات المقبلة: ليس فقط كيف نقتل الإرهاب، بل كيف نبني دولاً ومجتمعات تجعل الإرهاب أقل قدرة على التجنيد، والتمدد، والبقاء.

