#تأملات_قرآنية
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 100].
هذه الآية الكريمة من أعظم الآيات التي ترغب في الهجرة إلى الله تعالى، وتبين فضلها، وتحث المؤمن على الانتقال من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، ومن أرض الخوف إلى أرض الأمن، ومن أرض المعصية إلى أرض الطاعة.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: “الهجرة لغةً: الترك. وشرعًا: ترك البلاد التي لا يستطيع الإنسان فيها إقامة دينه إلى بلاد يتمكن فيها من إقامة دينه. وعبّر عنها بعض أهل العلم بقوله: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.” إلى أن قال رحمه الله: “وكون الهجرة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يتضمن أمرين: الأول: الإخلاص؛ لأن من قصد بعمله غير الله فليس في سبيل الله، كما قال النبي ﷺ لما سئل عن الرجل يقاتل شجاعةً وحميةً ويقاتل ليُرى مكانه، فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
والثاني: أن تكون الهجرة على وفق شريعة الله، لا على خلافها؛ فـ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعني: إخلاصًا لله، واتباعًا لشرعه.” انتهى.
فمعنى الآية: أن من يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام، تاركًا وطنه وأهله، فارًّا بدينه إلى الموضع الذي تعلو فيه كلمة الله، قاصدًا وجه الله وحده، لا يريد بذلك غرضًا من أغراض الدنيا، فإنه ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾؛ أي يجد في الأرض أماكن كثيرة يأمن فيها من ظلم أعدائه وكيدهم.
والمراد بالمراغم: كل ما يتحقق به إرغام أعداء الله وإغاظتهم من قول أو فعل، ومن هنا ذكر ابن عثيمين أمثلة تبين هذا المعنى، فقال: إن الصحابة رضي الله عنهم لما هاجروا إلى الحبشة أرسلت قريش من يسعى عند النجاشي لردهم؛ لأنهم أدركوا أن خروجهم يرغمهم، وأن هؤلاء المهاجرين قد يصبحون أمة مستقلة.
وكذلك قصة أبي بصير رضي الله عنه بعد صلح الحديبية، فإنه لما خرج من مكة مهاجرًا، ثم أعاده النبي ﷺ وفاءً بالصلح، خلص نفسه في الطريق، ثم نزل بساحل البحر، وصار يعترض عير قريش، فالتحق به المستضعفون من المسلمين، حتى ضاقت قريش بذلك، واضطرت إلى أن تطلب من النبي ﷺ إلغاء هذا الشرط. قال رحمه الله: ففي هجرة المسلم مراغمة لأهل الشرك، أي إذلال لهم وإرغام لأنوفهم، والرغام هو التراب، ورغم الأنف بالتراب كناية عن غاية الذل. انتهى.
أما قوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾، فقال قتادة: أي سعة من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى، وقال الإمام مالك: المراد سعة البلاد.
وهذا أقرب إلى فصاحة العرب؛ لأن اتساع الأرض وكثرة المواطن سبب لاتساع الرزق، وانشراح الصدر، وزوال الهموم، وحصول وجوه كثيرة من الفرج، وفي ذلك أيضًا إرغام لأنوف الأعداء الذين فارقهم المؤمن كراهيةً لكفرهم وسوء معاملتهم كما قال الشيخ السعدي رحمه الله: “فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة مشتملة على مصالح الدنيا.”
ثم بيّن أن كثيرًا من الناس يتوهم أن الهجرة تؤدي إلى التشتت بعد الألفة، والفقر بعد الغنى، والذل بعد العز، والشدة بعد الرخاء، وليس الأمر كذلك؛ فإن المؤمن إذا بقي بين المشركين كان دينه ناقصًا، لا يتمكن من إقامة شعائر الإسلام، ولا من الدعوة إلى الله، ولا من جهاد أعدائه بالقول أو الفعل، بل يكون معرضًا للفتنة، ولا سيما إذا كان مستضعفًا.
فإذا هاجر تمكن من إقامة دينه، ومراغمة أعدائه، واتسع عليه رزقه، كما وعد الله تعالى كما يشهد لذلك حال الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم لما هاجروا وتركوا أوطانهم وأموالهم وأهليهم ابتغاء مرضاة الله، أكمل الله لهم الإيمان، وأعز بهم الإسلام، وفتح عليهم البلاد، وأغناهم بالغنائم والفتوحات، وصاروا أئمة لمن بعدهم، وكذلك كل من سلك سبيلهم إلى يوم القيامة.
وقال ابن كثير رحمه الله: “في هذه الآية تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد مندوحةً عنهم وملجأً يتحصن فيه.”
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: “في هذه الآية دليل على وجوب هجر الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي إذا لم يقدر الإنسان على تغييرها أو السلامة منها.”
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: من خرج من بلده إلى بلد يتمكن فيه من عبادة الله، قاصدًا بذلك الهجرة إلى الله ورسوله.
وعطف الرسول ﷺ على اسم الجلالة في قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيه إشارة إلى خصوص الهجرة إلى المدينة لنصرة رسول الله ﷺ وتعزيز جانبه؛ ولذلك لما علم مهاجرو الحبشة بهجرته إلى المدينة، بادر كثير منهم إلى اللحاق به.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ أي: يدركه الموت في أثناء الطريق قبل أن يبلغ مقصده، سواء كان موته بسبب قتل أو غيره. وقيل: المراد أن يموت بعد خروجه للهجرة دون أن يرجع إلى أرض الكفر، وهذا قول قوي.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ثبت أجره وضمنه الله تعالى بفضله وكرمه، وإن لم يبلغ غايته.
ويدل عليه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله…».
وذلك لأنه صدق في نيته، وشرع في العمل، فمن رحمة الله أنه يكتب له الأجر كاملًا وإن لم يتمكن من إكمال العمل، ويغفر له ما وقع فيه من تقصير.
وهذا المعنى عام في الهجرة وسائر الأعمال، كما في الحديث القدسي: «ومن هم بحسنة فعملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف…».
وكذلك قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ…﴾ [البقرة: 261].
ومن أعظم الشواهد على ذلك قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، فلما دلّه العالم على التوبة أمره أن يهاجر إلى أرض صالحة يعبد الله فيها، فخرج مهاجرًا، فأدركه الموت في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن تقاس المسافة بين الأرضين، فوجد أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي بعض الروايات: أنه ناء بصدره نحو الأرض التي هاجر إليها.
وقال القاسمي رحمه الله: “ثمرة الآية أن من خرج للهجرة فمات في الطريق فقد وجب أجره على الله، واختلف العلماء: فقيل له أجر قصده، وقيل له أجر عمله دون أجر الهجرة، وقيل: بل له أجر المهاجر كاملًا، وهو ظاهر سبب نزول الآية.”
ولهذا ختم الله الآية بقوله:
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
فهو سبحانه غفور للمؤمنين، يغفر ذنوبهم، ولا سيما التائبين المنيبين، رحيم بخلقه جميعًا، ورحمته بالمؤمنين أعظم؛ إذ وفقهم للإيمان، ويسر لهم أسباب الهداية والسعادة، وأعد لهم من فضله وكرمه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

