هم وقود النار

المزيد للقراءة

#هم_وقود_النار

ليست المأساة الكبرى أن تشتعل الأوطان، فالحروب صاحبت التاريخ منذ فجره، وكانت الأمم، رغم جراحها، تنهض من تحت الركام كلما امتلكت الوعي والإرادة. أما المأساة التي لا تنتهي، فهي أن يصبح شباب الوطن أنفسهم وقودًا لتلك النيران؛ تُشعل بهم المعارك، وتُعبَّد بأعمارهم الطرق إلى السلطة، ثم يُتركون رمادًا يتناثر مع أول ريح.

ليس أخطر ما فقدناه هو الأمن، ولا الاقتصاد، ولا حتى الاستقرار…

لقد فقدنا البوصلة.

ولم نعد نعرف ماذا نريد، ولا لماذا نريد، ولا إلى أين نمضي.

صرنا نتحرك كثيرًا، لكننا لا نتقدم. نغيّر الوجوه، ولا نغيّر الواقع. نهتف كل يوم لشعار جديد، ثم نكتشف بعد سنوات أننا عدنا إلى النقطة التي بدأنا منها، وأن الزمن وحده هو الذي تقدم، أما نحن فما زلنا ندور في الحلقة نفسها.

لقد تحوّل كثير من الشباب من أصحاب رسالة إلى باحثين عن قائد، ومن حملة مشروع إلى مرافقي أشخاص. لم يعد السؤال: ما الفكرة؟ بل: من صاحبها؟ ولم يعد معيار الصواب قوة الحجة، بل قوة الصوت.

كلما ظهر رجلٌ يَعِد بالخلاص، ازدحمت الجموع خلفه، دون أن تسأل: إلى أين يقودنا؟

وكلما ارتفعت راية، ارتفعت معها الهتافات، لا لأن الجميع اقتنعوا بها، بل لأن الجميع خافوا أن يتأخروا عن الركب.

وهكذا فقدنا القدرة على السؤال، وهي أول درجات الحرية.

يعرف السياسيون هذه الحقيقة جيدًا.

يعرفون أن الشباب أكثر الناس حماسًا، وأصدقهم عاطفة، وأسرعهم اندفاعًا، فيخاطبون قلوبهم قبل عقولهم، ويستثمرون في انفعالاتهم أكثر مما يستثمرون في وعيهم.

فإذا كان الطريق إلى الكرسي يمر عبر الوطنية، لبسوا ثوب الوطن، وأغرقوا المنابر بخطب الإنقاذ، حتى يظن الناس أن الوطن يبدأ منهم وينتهي عندهم.

وإذا كان الطريق يمر عبر القبيلة، أيقظوا العصبيات التي نامت، ونبشوا جراحًا حاول الزمن أن يداويها، وقسموا الناس إلى معسكرات متقابلة، لأن الانقسام أحيانًا هو أقصر الطرق إلى السلطة.

أما الشباب…

فهم أول من يُستدعى إلى الساحات، وآخر من يُستشار في مستقبلها.

يحملون الرايات، ويملؤون الميادين، ويهتفون حتى تبح أصواتهم، ثم ما إن تستقر الكراسي في أماكنها، حتى يخفت الضجيج، وتُنسى الوجوه، ويغيب أولئك الذين كانوا بالأمس لا يرون مستقبل الوطن إلا من خلال خطاباتهم.

ويبقى الشباب وحدهم.

هذا يحمل شهادةً لم يجد لها عملًا.

وذاك يحمل عكازًا بدل أحلامه.

وثالث يحمل صورة أخيه الذي غاب ولن يعود.

وأمٌّ ما زالت تنتظر ابنًا خرج يهتف للوطن، فعاد إليها اسمه فقط.

إن أكثر ما يوجع ليس دهاء السياسيين؛ فالسياسة منذ القدم تعرف كيف تبحث عن مصالحها، وإنما أن يتحول الشباب، مرة بعد أخرى، إلى أدوات في مشاريع غيرهم.

لقد بلغ بنا التيه أن أصبح كثيرٌ من الشباب لا يسير وراء فكرة، بل وراء صاحب فكرة؛ لا يزن الأقوال بميزان العقل، بل بميزان القائل. فإذا صاح زعيم، صاحوا معه، وإذا غضب، غضبوا لغضبه، وإذا ابتسم، صفقوا لابتسامته، وكأن عقولهم أُودعت عند أبواب الولاء، فلم تعد تملك حق السؤال، ولا شجاعة الاعتراض، ولا فضيلة الشك.

إن الإنسان حين يتخلى عن عقله، لا يحتاج إلى من يقيده، فهو يقود نفسه إلى القيد طائعًا.

وهكذا تتحول الجموع إلى أمواجٍ تتغير وجهتها مع كل ريح، فلا تستقر على مبدأ، ولا ترسو على غاية. يصبح الشباب قوةً هائلة في العدد، لكنها ضعيفة في الاتجاه، لأن القوة بلا بوصلة ليست إلا اندفاعًا نحو المجهول.

إن أخطر استعمارٍ قد يصيب أمة ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقل.

حين يصبح تفكيرك مستعارًا، وغضبك مستعارًا، وحتى أحلامك يكتبها غيرك، فأنت لم تعد تعيش حياتك، بل تؤدي دورًا كتبه لك آخرون.

لقد فقد الشباب سلطتهم الحقيقية.

لا قيادة شبابية تجمعهم.

ولا رؤية وطنية تمثلهم.

ولا مشروعًا يصوغ مستقبلهم.

ولا صوتًا يُسمع حين تُرسم خرائط الوطن.

يتحركون فرادى.

ويضحون فرادى.

ويحلمون فرادى.

بينما تتوحد النخب كلما تعلق الأمر بتقاسم النفوذ.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.

فالشباب هم الأكثر عددًا، والأوسع تعليمًا، والأغزر طاقة، ومع ذلك فهم الأقل تأثيرًا في صناعة القرار، لأنهم لم يتحولوا بعد من جمهورٍ يصفق إلى قوةٍ تفكر، ومن حشودٍ تتحرك إلى مؤسساتٍ تقود.

لقد آن الأوان أن نتوقف عن سؤال:

من نتبع؟

وأن نبدأ بسؤال أكثر نضجًا:

إلى أين نسير؟

ليس الوطن رجلًا.

ولا حزبًا.

ولا قبيلة.

ولا حكومة.

ولا معارضة.

الوطن فكرةٌ أكبر من الجميع، ورسالة تبقى حين يرحل الجميع.

وليس من الوطنية أن تموت من أجل رجل، بل أن تعيش من أجل وطن، وأن ترفض أن يتحول الوطن إلى وسيلة في يد من يبحث عن السلطة.

إن الشباب ليسوا سلّمًا يصعد عليه السياسيون إلى الكراسي، ثم يكسرون درجاته بعد الوصول.
وليسوا وقودًا يُلقى في النار كلما احتاجت المصالح إلى مزيد من اللهب.

بل هم أصحاب الحق الأكبر في المستقبل، لأنهم هم الذين سيدفعون ثمن الحاضر، خيرًا كان أم شرًّا.
فلماذا يُكتب مستقبلهم بأقلام غيرهم؟
ولماذا يُرسم مصيرهم بأيدٍ لا تمثلهم؟

ولماذا يظل رأيهم متفرقًا، وهم القوة الأكبر في كل وطن؟
إن الأمم العظيمة لم تنهض لأن شبابها كانوا أكثر غضبًا، بل لأنهم كانوا أكثر وعيًا.

فالوعي هو الذي يميز بين الوطن ومن يتاجر باسمه.
وهو الذي يفرق بين القائد الذي يخدم وطنه، ومن يستخدم وطنه ليخدم نفسه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لجيل كامل، أن يعتاد دور الوقود.
فالوقود لا يختار اتجاه النار.
ولا يعرف لمن تشتعل.
ولا يجني من الاحتراق إلا الاحتراق.
أما الشباب، فقد خُلقوا ليكونوا نورًا يهدي السفينة، لا نارًا تلتهمها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعًا ليس: من أشعل النار؟

بل سؤال أشد قسوة…
كيف فقدنا البوصلة، حتى أصبحنا في كل مرة نبحث عمّن يقودنا، بدل أن نسأل إلى أين ينبغي أن نسير؟ وكيف رضينا أن نكون سلّمًا يصعد عليه الآخرون إلى السلطة، بينما يبقى الوطن واقفًا على الرماد، ويبقى شبابه… وقود النار؟

أنيسة صلاد عبدي
أنيسة صلاد عبدي
كاتبة صومالية في مقديشو

Share

اقرأ هذا أيضًا