ترامب والصوماليون: عندما تتحول الكراهية إلى أداة سياسية

المزيد للقراءة

لم يعد خطاب دونالد ترامب تجاه الصوماليين والنائبة الأمريكية إلهان عمر مجرد زلات لسان أو تصريحات شعبوية عابرة، بل أصبح نمطًا سياسيًا متكررًا يكشف عن استراتيجية واضحة تقوم على استغلال الأقليات، وتوظيف الكراهية، وتحويلها إلى وقود انتخابي في معركة سياسية تعاني فقرًا أخلاقيًا واضحًا.
من غرينلاند وآيسلندا إلى فنزويلا والصومال، يذكر ترامب دولًا وشعوبًا لا يجمع بينها رابط سياسي أو جغرافي واضح، سوى أنها صالحة لإثارة الجدل وصناعة العناوين. غير أن التركيز المستمر على الصوماليين، مقرونًا بهجومه المتكرر على إلهان عمر، يشي بأن الأمر يتجاوز العشوائية إلى استهداف رمزي محسوب.
إلهان عمر: التحدي الذي لا يُحتمل
تمثل إلهان عمر كابوسًا سياسيًا ورمزيًا لترامب. فهي امرأة سوداء، مسلمة، ولاجئة سابقة، وعضو بارز في التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، إضافة إلى كونها ناقدة جريئة لسياساته الداخلية والخارجية. هذا التقاطع للهويات يكسر الصورة التقليدية التي يروّج لها ترامب حول من “ينتمي” إلى مراكز السلطة في الولايات المتحدة.
الهجوم عليها ليس خلافًا سياسيًا مشروعًا، بل رسالة واضحة لكل من يشبهها: وجودكم في السلطة غير مقبول. إنها سياسة إقصاء مغلّفة بخطاب قومي، تخفي في جوهرها خوفًا عميقًا من التغيير الاجتماعي والديمغرافي الذي تشهده أمريكا.
الصوماليون ككبش فداء سياسي
إقحام الصوماليين في هذا الخطاب لا يعكس واقعهم الحقيقي داخل المجتمع الأمريكي. فالجالية الصومالية، خاصة في ولاية مينيسوتا، تُعد من أنجح الجاليات اللاجئة من حيث التنظيم المجتمعي، والمشاركة السياسية، والتمثيل المنتخب. هذا النجاح، بدل أن يُقدَّم كنموذج إيجابي، يتم تحويله إلى مادة للتحريض.
يعيد ترامب تدوير سردية قديمة تربط الإسلام بالتهديد الأمني، واللاجئين بالفوضى، متجاهلًا عمدًا أن الغالبية الساحقة من الصوماليين مواطنون أمريكيون يعملون، ويدفعون الضرائب، ويسهمون في الاقتصاد والمجتمع. إنها شيطنة متعمدة، لا تستند إلى وقائع، بل إلى حسابات انتخابية بحتة.
سياسة الهوية وصناعة الخوف
يعتمد ترامب في خطابه على تحريك مشاعر الخوف والقلق لدى شريحة من ناخبيه تشعر بالتهديد من التغيرات الديمغرافية. ووجود امرأة سوداء مسلمة في الكونغرس يمثل، بالنسبة لهم، تحديًا مباشرًا لفكرة أمريكا البيضاء التقليدية التي يحنّ إليها هذا الخطاب.
بدل تقديم حلول حقيقية لمشكلات الاقتصاد أو الصحة أو الأمن، يلجأ ترامب إلى اختزال السياسة في معارك هوياتية، حيث يصبح “الآخر” — مسلمًا كان أو لاجئًا أو أسود — هو المشكلة، وهو العدو، وهو السبب في كل الإخفاقات.
الإلهاء والهروب من المساءلة
لا يمكن فصل هذا الخطاب عن حاجة ترامب الدائمة للهيمنة على المشهد الإعلامي. ففي كل مرة تشتد فيها الضغوط حول ملفات حساسة، مثل قضية جيفري إبستين أو الأسئلة المتكررة بشأن استفادته المالية من فترة رئاسته، يطلق تصريحًا صادمًا يعيد توجيه البوصلة الإعلامية.
إنها استراتيجية إلهاء مكشوفة: افتعال معركة ثقافية صاخبة، لدفن أسئلة الفساد والمساءلة تحت ضجيج الاستقطاب.
الخطر الحقيقي
الخطر في خطاب ترامب لا يكمن فقط في حدّته، بل في تطبيعه للكراهية، ومنحه الشرعية للتمييز، وتحويل أقليات كاملة إلى أهداف مشروعة للتحريض. فحين يصبح الهجوم على جماعة دينية أو عرقية أداة سياسية مقبولة، فإن ذلك يهدد أسس التعايش والديمقراطية نفسها.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالصوماليين ولا بإلهان عمر بقدر ما يتعلق بسؤال أعمق: أي أمريكا يريدها ترامب؟ أمريكا المواطنة المتساوية والقانون، أم أمريكا الخوف والإقصاء وبناء السلطة على أنقاض التعددية؟
إن تحويل الكراهية إلى برنامج سياسي قد يحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنه يترك جراحًا عميقة في جسد المجتمع الأمريكي، جراحًا قد يصعب التئامها على المدى البعيد.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا