حكيم الشعراء وشاعر الحكماء
تميّز الشاعر والأديب الكبير عثمان يوسف كينديد عن غيره من الشعراء الصوماليين، قديمًا وحديثًا، بصفات وتجارب قلّ أن تجتمع في شاعر واحد، ومن أبرز ما ميّزه:
أولًا: حياته ونشأته
1. هو ابن سلطان سلطنة هوبيو، وأصبح أخوه سلطانًا بعد والده، أما هو فتولى منصب والي من ولاة السلطنة، فمارس العمل السياسي والإداري بنفسه.
2. أجداده هم الذين أسسوا مملكة مجيرتين، وكان جده محمود حوادني أحد أهم ملوك المملكة.
3. والدته ذهبة أسلان آدم هي ابنة سلطان قبيلة عمر محمود المجيرتينية، وكان لقب «أسلان» يطلق على سلطان القبيلة أو زعيمها، ولا يزال هذا اللقب مستخدمًا إلى اليوم في عشيرة والدته، حيث يُعرف بيتهم بـ«بيت الأسلان»، أي بيت المشيخة والحكم التقليدي.
4. تعلم الفروسية في شبابه، وكان متفوقًا فيها.
5. نشأ في سلطنة كان للشعر فيها مقام رفيع للغاية، وكانت مقصدًا لكبار الشعراء في الصومال، ومنها انطلقت إحدى أشهر السلاسل الشعرية التي شارك فيها معظم شعراء ذالك العصر، ولذلك نشأ في بيئة أدبية استثنائية، ثم أصبح، وهو ابن السلطان، شاعرًا وسياسيًا وواليًا ومثقفًا.
6. وُلد سنة 1888، وتوفي سنة 1972.
ثانيًا: تجربته السياسية والتاريخية
7. عاش في كنف والده السلطان، ثم أصبح واليًا، ومارس العمل السياسي والإداري.
8. ثم هدم الاستعمار الإيطالي السلطنة برمتها، فانتقل إلى العاصمة مقديشو، وعاصر النضال والكفاح ضد الاستعمار.
9. كان داعمًا قويًا للحزب الوطني SYL أثناء مرحلة النضال، ولكنه كان رافضًا بشدة لكل ثقافة سياسية فاسدة يتبناها بعض قيادات الحزب، وكان يكره القبلية والفساد والظلم.
10. رأى ميلاد الدولة الصومالية، وعاصر رؤساءها.
11. رأى الفساد والقبلية في عهد الحكومات المدنية.
12. كما عاصر الثورة العسكرية وما رافقها من تحولات كبرى.
13. عاش مراحل تاريخية متباينة؛ فقد وُلد في بيت السلطنة، وتربى تربية أبناء الملوك، ثم عاش واليًا وفارسًا وشاعرًا، ثم استولى الاستعمار على السلطنة، وكان من جملة من نُقلوا إلى مقديشو، ثم عاصر حركات التحرر، ورأى ميلاد الدولة الصومالية، وتحرر أجزاء من المناطق الصومالية في القرن الإفريقي، ثم شهد فساد الحكومات المدنية، ثم الثورة العسكرية، وكل تلك التجارب صقلت شخصيته وفكره وشعره.
ثالثًا: ثقافته ومعرفته
14. كان مثقفًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وكان متابعًا لأوضاع العالم عن قرب.
15. كان متدينًا، ومهتمًا بالفقه والعلوم الإسلامية.
16. كان بارعًا في النحو، والأدب، والجغرافيا، والتاريخ.
17. كان مولعًا بعلم الفلك.
18. كان يعرف أحوال البلدان، والشعوب، والممالك، والثورات في العالم.
19. كان مهتمًا بالشعر والأدب العربي، في وقت كان معظم الشعراء في الصومال لا يقرؤون الأدب العربي ولا الغربي.
20. كان مؤلفًا، ومحبًا لترجمة الكتب من العربية.
رابعًا: ريادته في اللغة والكتابة
21. كان يعرف الكتابة بالأحرف العربية واللاتينية.
22. لكنه أحب أن يخترع أبجدية صومالية خاصة حملت اسمه، وهي الأحرف العثمانية، وبها كتب ديوانه ومخطوطاته.
23. تبنى حزب SYL، في فترة نضاله ضد الاستعمار الإيطالي، الأحرف العثمانية التي اخترعها الشاعر.
24. خلال الثورة العسكرية، كُلِّف بإدارة لجنة إعداد القاموس الشهير المعروف باسم «قاموس كينديد»، وهو القاموس الذي حمل اسم عائلة الشاعر، كما تولّى رئاسة اللجنة المكلفة بوضع مشروع كتابة الحرف الصومالي.
خامسًا: شخصيته وأخلاقه
25. كان كريم اليد، وكان يهتم كثيرًا بخدمة ضيوفه وإكرامهم.
26. عُرف بأنه كان ملثمًا، يضع عمامته على وجهه، ولعل ذلك من سمات التواضع، والحياء، وطيب الأصل، وكرم النفس.
27. كان أبًا محبًا لأبنائه، مهتمًا بتربيتهم.
سادسًا: فكره وشعره
28. ينتمي إلى أسرة سياسية عريقة، فثلاثة من أصل ثلاثة عشر عضوًا من أبرز أعضاء حزب SYL كانوا من أسرته
وينتمي إلى عشيرته الأقربين الرئيس الثاني للصومال، عبدالرشيد علي شرماركي رحمه الله، الذي كان أول رئيس وزراء للصومال بعد الاستقلال
29. هو شاعر من طبقة أرستقراطية عُرفت بالسياسة، والتجارة، والأدب، والنضال ضد الاستعمار الإيطالي، وتشهد قصائده وإرث أبنائه على النزعة الوطنية والثقافية التي تميزت بها الأسرة.
30. رغم كونه من بيت السلطان، ورغم مكانة أمه وأخواله، ورغم شهرة والده وأجداده وأبنائه، فإنه لم يفتخر يومًا في قصائده بنسب أو حسب، مع أن الفخر بالأنساب كان من أكثر الأغراض انتشارًا في الشعر، وإنما غلبت على شعره الحكمة والفلسفة.
31. يُعد من أهم الشعراء الصوماليين الذين اهتموا بالنقد الاجتماعي المنصف، بعيدًا عن التعصب والمبالغة.
سابعًا: إرثه العلمي والثقافي في أبنائه
32. لم يُعرف شاعر صومالي أنجب هذا العدد من الأدباء، والكتاب، والمؤلفين، والمهندسين، كما فعل عثمان يوسف كينديد.
33. ألّف ابنه الدكتور ياسين عثمان كينديد أشهر قاموس صومالي، وقد استفاد كثيرًا من المصطلحات والكلمات التي جمعها والده عبر سنوات طويلة، وقد فرحت الثورة العسكرية بهذا الإنجاز التاريخي وعدّته من أعظم الإنجازات في تاريخ اللغة الصومالية.
34. وكان ابنه الآخر، سعيد عثمان كينديد، عضوًا في فريق من المؤلفين الصوماليين والإيطاليين الذين ألّفوا القاموس الصومالي–الإيطالي Dizionario somalo–Italiano. كما كان كاتبًا كبيرًا، وصاحب مؤلفات مشهورة، ومذكرات قيمة، وتميز بإبداعه في الأدب الساخر الشعبي.
35. ومن أبنائه أيضًا المهندس الكبير الراحل عيدروس عثمان يوسف كينديد، وهو من أبرز المهندسين والمثقفين الصوماليين، وقد أبدع في الأدب، والهندسة، والعمران، والتاريخ، واللغات.
ثامنًا: إرثه الأدبي
36. ترك مؤلفات، ومخطوطات، وقصائد، ولعل كثيرًا من أعماله لم يُنشر بعد، أو ربما طالتها يد الحروب والاضطرابات.
تاسعًا: مكانته
37. إن اجتماع النشأة السلطانية، والتجربة السياسية والإدارية، والثقافة الموسوعية، والريادة في اختراع الأبجدية الصومالية، والاهتمام بالأدب العربي، والنقد الاجتماعي، والوعي الوطني، إلى جانب الإرث العلمي والثقافي الذي تركه في أبنائه، يجعل عثمان يوسف كينديد من أكثر الشخصيات الأدبية الصومالية تميزًا، ويضعه في منزلة يصعب أن يجتمع مثلها في شاعر صومالي آخر.
عاشرًا: امتداد الإرث في الأسرة
38. من أحفاده أيضًا الدكتور أحمد الحاج عبد الرحمن، وهو من أعظم أعلام الصومال في العصر الحديث علمًا وأدبًا وفكرًا، وقد أنجبته بنت الشاعر، وهي زوجة العالم والأديب الكبير الحاج عبد الرحمن

