الصومال.. الأول من يوليو 1960م

المزيد للقراءة

#الصومال.. الأول من يوليو 1960م

أمام الرؤساء والقادة ومارشالات المحتل، وممثلي دول العالم، والأمم المتحدة، وعلى وقع موسيقى صومالية طازجة، وأغان وطنية مطبوعة بالفخر والاعتزاز، كانت مقديشو ترحب بأجمل ليل في تاريخها الطويل. وكانت الفتيات الصوماليات يتبخترن بأزيائهن التقليدية المستوحاة من لون السماء، وهن يتجولن في المسرح الخشبي وسط تصفيق حار وزغاريد عذبة.

وكان الرجال يلبسون الإزار الناعم، ويتوشحون العلم، وهم يرددون بصوت هادر: «تحيا الصومال واحدة موحدة»، ويؤدون، وفق إيقاع فلكلوري موغل في سحيق التاريخ والتراث، لوحات حركية، وقفزات تراثية، ورقصات شعبية نالت استحسان الحاضرين.

براءة الأطفال، وضفائر الفتيات السمراوات، والشعب الجميل الذي ينتظر بدء مراسم إيقاد شعلة الاستقلال، والجو المفعم بروح الوطنية ودولة القوافي، والسهر على أنغام السحنة والثقافة والخصوصية الصومالية، أضفى على الحفلة محبة من الشجن الصافي. وفي هدوء ورفعة، سكب الحاضرون دموع الفرحة، واجتاحت أبدانهم قشعريرة عنوانها الاستقلال والحرية، عندما عُزف النشيد الوطني الصومالي. والنشيد من كلمات الشاعر الأديب حسين فارح دبد، رحمه الله، وتلحين الفنان عبدالله محمد محمود، رحمه الله.

كانت المشاعر تتدفق كالسيل الهادر، وكانت الأمة الصومالية، في شتى فئاتها ومناطقها ومشاربها، تحتفل من أجل استقلال الأم، والحضارة الأصيلة، والتاريخ قبل الجغرافيا، الذي ما زال يعاني من التبعثر والتفكك منذ قدوم الاحتلال الأوروبي إلى الأراضي التاريخية للأمة الصومالية في بداية القرن السادس عشر الميلادي، كنجدة وقوة تحمي الإمبراطورية الحبشية، ممثل الكنيسة في المشرق الأفريقي تاريخيًا، فيما مثّل الصوماليون المسجد عبر الصراع العقائدي المحتدم في تلك المنطقة العصية على الوفاق والتداخل الثقافي والعرقي.

الأجواء الجميلة، كسيمفونية الطبيعة في جداول جمامي، والوجوه السمراء الحالمة، والنسائم الندية المحملة بعبق الوطنية الصادقة، ولمسات مقديشو التي ازدانت بلونها الأزرق الصافي، ساهمت في ارتفاع معدلات الصفاء، وكأن الطبيعة، بكل ألقها وجمالها ولمساتها الساحرة، تشارك معنا عزف لحن السعادة الذي نرسله إلى أوتار الحياة وأقاليم الوطن الممتد بامتداد السمرة والإبل في القرن الأفريقي.

في الحفل الجميل، وفي الليل المترع بالبهجة، والوجوه الأنيقة، والسواعد الشابة، كان الجميع منتشيًا بنصر الاستقلال، وجذلًا بسعادة الانعتاق، وجلاء الطليان من بلاد البخور والعطور إلى بلاد البيتزا والرومان القديمة. ولم تكن الجماهير الحاضرة في تلك الليلة تدري أن في رحاب الحفل إشارات واضحة، وفي بعض الأحيان غامضة، تدل على ليالٍ مكروهة قادمة، وإن تأخرت ثلاثة عقود عن تلك الليلة المقديشاوية المبلولة بالمشاعر الإنسانية الصادقة؛ لأن كثيرًا من أيقونات المناسبة، ومن لبسوا البذلات الأنيقة والثياب الفاخرة من المال العام، لم يكونوا سوى بذرة خبيثة تمارس سياسة شفير الهاوية، وتطبق أجندات المستعمر واستراتيجيته المدمرة.

كان في ذاكرة الجموع الباسمة لفرحة الحرية ألمُ المحتل وجرائمه المتعددة، وألمُ الضياع. وكان الأمل يتراقص أمامهم، ويوحي بأن ليالي نشيج الباكين، وأنين المحزونين، وبكاء الأرامل واليتامى، والميلودراما الحزينة، والتنكيل الذي لا ضفاف له، قد طُويت صفحته في الجزء الجنوبي والشمالي للوطن، على الأقل، وإن بقيت ثلاثة أجزاء من الصومال الكبير على أيدي المحتل الأفريقي والأوروبي.

ولم يكن في بال من كانت صباحاتهم مطرزة بشذو الألحان، قبل نصف قرن من الآن، أنهم على شفير الهاوية، وأن أنظمة استبدادية ينخرها الفساد ستجثم على صدور المجتمع، وأمراء حرب يتاجرون بالرذيلة سيرهقون ما تبقى من الوطن، وأن أثرياء الصراع، الراقصين على أشلاء الشعب، سيتمكنون من مصيره، ويوجهون بوصلته نحو التشظي، والألم، والحزن، وأن التاريخ سيبكي كالثكالى بلا أنيس، وأن الجغرافيا ستتحمل كبت الحرية، والتجزئة، والتمزيق، والتشتت.

ولم يكن من بين الجموع الغفيرة التي احتشدت لحظة رفع علم الصومال، وإنزال علم الطليان، من يعتقد أن تاريخًا أسود سوف ينتظر أبناء الحاضرين، وأحفاد من ضحوا بالمهج والأرواح من أجل وطن يليق بنا، ويسع الجميع، ويضم جميع الشرائح والمكونات الثقافية والعرقية للأمة الصومالية، ومن أجل دولة تحمي العرض، وتصون الكرامة، وتحفظ المقدرات، وتذود عن المقدسات.

ولم تكن تعرف تلك الحسناء التي ملأت العبرات مقلتيها، وأخلدتها الصور، بابتسامتها الساحرة وجمالها الفاتن، أن الكلمات المعسولة، والابتسامة الصفراء لبعض القادة، مؤشر على الجمر الذي تحت الرماد، وأن قلب المحتل ما زال باقيًا، رغم رحيل الجسد، (إبدال اللون الأسمر باللون الأوروبي فقط، رغم بقاء الأيديولوجية والفكر الكولونيالي).

في أجواء الحرية، وألحان الحياة، كان الحديث يدور حول الشهداء الذين سقطوا في طريق الحرية، وضرجوا الدم القاني على التربة الصومالية الطاهرة، وكم من الكنوز الثمينة، والموارد الغالية، والمعادن النفيسة نهبها المحتل، وكم من الأجيال التي اغتالت الكولونيالية أحلامها، أو أزهقت روحها بسبب القتل، والتعذيب، ونشر الأمراض الخبيثة، والأوبئة الفتاكة، وكم من بطل قاد الأمة نحو المجد، وسطر دمه في صفحات الوطن، وجعل حياته مهرًا للاستقلال، وكم من مناضلة صومالية شجاعة فقدناها من أجل هذه اللحظة التاريخية.

كان الحضور يتذكر حجم المعاناة، والقتل، والإبادة الجماعية، والاضطهاد الذي مارسه المحتل على الشعب الأعزل عبر أربعة قرون، بدأت بوصول البرتغال إلى الأراضي الصومالية، فيسود الوضع، ويتبلد الذهن، وتسود الكآبة، ويتحول الحديث إلى أشجان.

وفي خضم الصمت الرهيب، يتحدث مناضل، على مشارف العقد التاسع من عمره، عن البطولات النادرة، والكفاح الطويل، والوقائع التاريخية، والأيام المشهودة، وآباء صنعوا مجد الصومال دون أن تكتحل أعينهم بعلم الاستقلال، فيتحول الموقف إلى مسرات مشوبة بحزن شفاف، أو ابتسامة عذبة على ضفاف الألم، قبل أن يقطع المشهد السينمائي الحي صوت الميكروفون، أو رائحة القهوة، أو سعال رهيب، وربما بكاء طفل هاجمته الكرى في حضن أمه

في تلك الليلة التاريخية، بدأ هاجس الخوف يتسلل إلى رحاب الحفلات والخطب. وكان من اعتلى المسرح، وداعب الميكروفون، يردد وجوب بسط هيبة الدولة، وإزالة العراقيل من طريق الوحدة، وضبط الأمن، وإدارة البلد، وجمع الناس في صف صومالي موحد، والبحث عن الأقاليم الغائبة التي ترزح تحت الاحتلال الأفريقي الأسود (كينيا، وإثيوبيا)، واستقلال الساحل الصومالي في جيبوتي. وكان هذا الصوت الوطني، والمزيف في بعض الأحيان، يرسم سطور الفرح على محيا القادة وجبين الشعب.

كانت الحرية المطلب الوحيد للإنسان الصومالي الذي اكتوى بنار التفرقة، والتشتت، والتبعثر الجغرافي، والتنكيل الأوروبي، والعنجهية الأفريقية. ومن أجل تحقيق هذا الحلم، ذاقوا الأمرّين. وعندما جاءت الحرية، نسوا كل المآسي والنكبات؛ لأن البسطاء دائمًا ما تعتريهم مسحة من الحبور، أو طيف من الفرح، في المناسبات الوطنية.

ولكن لم يكن القادة الذين أفرزهم الواقع، وساعدهم الحظ للوصول إلى المراكز الحساسة، والتصدر في المواقف، وصناعة الأحداث، من طينة الكبار، ولم يكن من بينهم من يملك كاريزما القيادة وصفات القائد الموهوب إلا نادرًا، بل إن معظمهم كانوا ممن أبرزتهم ثقافة المستعمر، ونموا في جلباب المحتل، وبذر فيهم سطحية التفكير، وسذاجة الفهم، وفقدان الإيمان العميق بالوطن، نتيجة احتكاكهم بالمستعمر الغاشم.

وكان حتمًا على وطنٍ قادته أخفقوا في التفريق بين المحتوى والمفاهيم، وفقدوا بُعد النظر، والجسارة، والمسؤولية، ولم يرتقوا إلى قدر الوطن، أن يتجرع كؤوس الذل ألوانًا، وأن تمزقه الحروب، ويشتته الصراع، وتبتلعه البحار، وتلتهمه المجاعة، وتمزقه المدافع في القرن الواحد والعشرين.

كل عام وأمتي الصومالية بخير

Share

اقرأ هذا أيضًا