رمضان… حين تتحوّل العبادة إلى درع للوطن
لا يأتي شهر رمضان محمّلًا بالعبادة فحسب، بل يحمل في طياته طاقة روحية قادرة على حماية الأوطان وبعث الوعي في النفوس. ففي هذا الشهر، تتحوّل الشعائر إلى أدوات وعي، وتغدو الممارسات الدينية جسورًا متينة بين الإيمان والانتماء الوطني.
تغدو صلاة التراويح والدعاء درعًا روحيًا يحمي الحقوق الوطنية، إذ تُشحذ فيها الإرادة الجماعية، ويستحضر الناس مسؤوليتهم تجاه الأرض والكرامة. ومع الإفطار الجماعي، لا تكون المائدة مجرد طعام، بل تصبح مائدة وحدة، تشبه قلبًا واحدًا ينبض بالانتماء والتكافل.
أما حلقات القرآن، فهي بوصلة وعي تهدي القلوب نحو معنى الأرض والسيادة، وتغرس في النفوس أن حماية الوطن جزء من رسالة الاستخلاف. وتبقى مسابقات فلسطين جذوة ذاكرة لا تنطفئ، تحفظ القضية حيّة في وجدان الأجيال، وتربط الوعي الوطني بالضمير الإنساني.
وفي جمع الصدقات، يمتد جسر الرحمة بين أبناء الأمة الواحدة، ليؤكد أن التضامن فعل عبادة، وأن نصرة المظلوم مسؤولية جماعية. بينما تعبّر الخطابات والخواطر الوطنية عن صوت الضمير، وتمنح الكلمة دورها في حماية الوعي وصناعة الموقف.
وتتحوّل حوارات الأئمة إلى منابر هداية تجمع بين الدين والوطن، تشرح الحقوق وتؤسس لفهم متوازن للانتماء. كما تصبح البرامج الإذاعية الرمضانية نبضًا يوميًا يذكّر بالقيم، ويُبقي روح الوطن حيّة في البيوت والقلوب.
وتعكس الأنشطة الثقافية والفنية مرآة الهوية الجامعة، بينما تقدّم المسرحيات الوطنية صورة حيّة لكرامة الوطن، قريبة من الناس، مؤثرة في الوجدان. وتأتي الرسم والشعر والتصوير كألوان للسيادة، تعبّر عن حب الأرض بلغة الجمال.
أما المجلات والبودكاست، فهي ذاكرة مكتوبة ومسموعة، تحفظ الرواية الوطنية من التزييف والنسيان. ومع المواكب الرمضانية السلمية، تتحوّل الخطوات إلى رسالة، يمشي فيها الشعب بضمير واحد.
وتكتسب حملات الإفطار والنظافة قيمة مضاعفة، فهي خدمةٌ أثرها كأثر الصلاة، تبني الإنسان والمكان معًا. وتغدو الرحلات التراثية جذورًا تحمي الشجرة، تربط الأجيال بتاريخها وهويتها.
وفي ورش الشباب، تُصقل العقول التي تحرس السيادة، ويُصنع الوعي القانوني والوطني. وتعمل الحملات الرقمية كسلاح الوعي الحديث، يحمي الفكرة في فضاء الإعلام الجديد. وتُختتم هذه اللوحة بـ المعارض الرمضانية التي ترسم خريطة تضامن للوطن، وتُجسّد الوحدة في صورة وذاكرة.
هكذا يصبح رمضان مدرسة للروح والوطن معًا؛ شهرًا تُصان فيه القيم، وتُحرس فيه الأرض، ويجتمع فيه الإيمان مع المسؤولية، والدين مع الكرامة الوطنية.
الدكتور حسن البصري.جامعة الاحقاف.

















