زيارتي الأولى إلى العراق…بلاد الرافدين

المزيد للقراءة

زيارتي الأولى إلى العراق…بلاد الرافدين

محطة رقم ٣: بغداد …الجزء الأول

كان الطريق من الموصل إلى بغداد يمر عبر تكريت وسامراء، وهما مدينتان تحملان في طياتهما الكثير من معالم التاريخ الإسلامي. ومع كل مسافة أقطعها جنوبا، كانت بغداد تقترب مني، لا بوصفها عاصمة العراق فحسب، بل باعتبارها واحدة من أشهر المدن التي عرفها التاريخ، ومدينة ارتبط اسمها بالعصر الذهبي للحضارة الإسلامية، وبالعلم والأدب والفلسفة.

وفي الطريق إلى بغداد، كانت مشاعري تسبقني إلى المدينة التي طالما حلمت بزيارتها، وأنا أردد في خلدي أبيات الشاعر المصري سعد درويش التي كتبها في حب بغداد حين دعي للمشاركة في مهرجان شعري فيها عام 1986. حفظت ابيات القصيدة عندما كنت في المرحلة الثانوية في معهد الحسين الأزهري في القاهرة، وظلت كلماتها راسخة في ذاكرتي طوال تلك السنوات، حتى جاء اليوم الذي وجدت فيه نفسي وأنا أشق الطريق إلى المدينة التي تغنى بها الشاعر، مرددا في داخلي:

لبيك بغداد…أنت الحلم والأمل
وأنت رغم العوادي الشعر والغزل
لما أتاني رسول منك يخبرني
أن اللقاء قريب..فاضت المقل
لبيت أمرك كالجندي ممتثلا
في الحـــب والحــرب..قلب الحر يمتثل
الشوق أرقني والبعد برح بي
بعد الحبيب عذاب ليس يحتمل
صباح بغــداد تجلو العين طلعته
وليل بغداد كحل حين نكتحل
العيش فيها ظليل وارف خضل
وعند دجلة يحلو العل والنهل
بغــــداد عشت على الأزمان شامخة
الوجه مؤتلق والمجد متصل
يا بنت هارون لا مستك عادية
ولا أصابك إلا العارض الهطل

كان شعورا استثنائيا أن تتحول الأبيات التي عشت معها في مقاعد الدراسة إلى إحساس حي وأنا أقترب من بغداد؛ فكأن صوت الشاعر عاد من بعيد ليصاحب رحلتي.
عندها أدركت أن بعض القصائد لا تبقى مجرد كلمات نحفظها في الكتب، بل تتحول مع مرور الزمن إلى أحلام تسكننا، وترافقنا حتى اللحظة التي نلتقي فيها بالمكان الذي أحببناه قبل أن نراه.

لقد كانت بغداد بالنسبة لي قبل الوصول إليها، قصيدة تسكن الوجدان، أما في هذه الرحلة فقد أصبحت حلما يلامس الواقع، وذكرى ستظل حاضرة في القلب ما حييت.
عندما وصلت إلى بغداد، كان شعوري مزيجا من الشوق والفضول والرهبة أمام مدينة سمعت عنها كثيرا وقرأت عن أمجادها، ثم وجدت نفسي أخطو في شوارعها وأتأمل معالمها وأحاول أن أستحضر ماضيها العريق في واقعها المعاصر.
لقد بدت لي بغداد مدينة لا يمكن فهمها بالنظر إلى حاضرها وحده؛ فخلف كل شارع فيها حكاية، وخلف كل معلم تاريخ طويل من الازدهار والانكسار والصمود والشموخ.

أسست بغداد على يد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لتكون عاصمة للخلافة. وقد اختير موقعها بعناية بالقرب من نهر دجلة، وعُرفت في بداياتها باسم (مدينة السلام)، وأصبحت عاصمة للخلافة الإسلامية التي امتدت من أوزبكستان شرقا وحتى المغرب العربي غربا..
لم تكن بغداد مجرد مركز للحكم والإدارة، بل تحولت إلى أهم الحواضر العلمية والثقافية في العالم كله. ففي أحيائها وأسواقها ومجالسها ازدهرت العلوم، وتلاقت الثقافات، ونشطت حركة التأليف والترجمة، وبرز رواد في مجالات الرياضيات والطب والفلك والفلسفة واللغة والأدب.
وكانت مكتبات بغداد ومجالسها العلمية مقصداً للباحثين وطلاب المعرفة، وأسهمت حركة الترجمة فيها في نقل مؤلفات الحضارات اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية.
ومن أبرز رموز هذه النهضة العلمية الخوارزمي عالم الرياضيات ومؤسس علم الجبر والكندي – الفيلسوف الذي جمع بين الاهتمام بالفلسفة والعلوم – والرازي، الطبيب الذي ترك مؤلفات مؤثرة في الطب ، وابن الهيثم، مخترع علم البصريات.
اشتهرت بغداد عبر تاريخها بكونها منارة للعلوم الشرعية والفقه الإسلامي، واحتضنت نخبة من كبار الأئمة والعلماء الذين تركوا أثراً عميقاً في الحضارة الإسلامية. ومن أبرزهم الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام أحمد بن حنبل، كما أقام فيها الإمام الشافعي فترة من حياته قبل أن ينتقل لاحقا إلى مصر التي توفي فيها. وبرز في بغداد أيضا أبو يوسف، أول قاضي قضاة في الدولة العباسية وتلميذ الإمام أبو حنيفة النعمان.

وشهدت بغداد نشاطا علميا بارزا لعلماء الحديث، ومنهم الإمام البخاري والإمام مسلم، اللذان زاراها في رحلاتهما العلمية. كما ارتبطت بها أسماء لامعة مثل الإمام الطبري – المفسر والمؤرخ الكبير – وأبي حامد الغزالي الذي درّس في المدرسة النظامية. وفي العصر الحديث انجبت بغداد علماء مثل عالم البلاغة والإعجاز العلمي الشيخ فاضل صالح السامرائي والشيخ بشار عواد (عميد المحققين العرب) – أطال الله في عمرهما – وهكذا كانت بغداد ولا تزال مركزا للفقه والحديث والتفسير، ومنارة علمية امتد تأثيرها إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
برزت بغداد بوصفها منارة للشعر والأدب ولا سيما في العصر العباسي، حين أصبحت ملتقى للشعراء والأدباء في قصور الخلفاء ومجالس العلم والأدب. ومن أبرز الشعراء والأدباء الذين عاشوا فيها أو نشطوا في مجالسها أبو الطيب المتنبي وأبو نواس، وأبو تمام، والبحتري، وابن الرومي، وبشار بن برد، والأصمعي. وفي العصر الحديث، أنجبت بغداد – والعراق بشكل عام – قامات شعرية مثل محمد مهدي الجواهري، الملقب بشاعر العرب الأكبر، وعبد الرازق عبد الواحد ومعروف الرصافي ومظفر النواب وغيرهم. وقد أسهم هؤلاء الشعراء، عبر العصور، في ترسيخ مكانة بغداد كمركز للإبداع الأدبي والثقافي، وجعلوا من شعرها مرآة لتاريخها وتحولاتها وآمال أهلها.
وعندما تتأمل هذه المكانة التاريخية، تدرك أن بغداد لم تكن عظيمة بسبب قصورها وأسوارها، بل لأنها احتضنت وفتحت أبوابها للعلماء والفقهاء والأدباء، وأسهمت في بناء تراث معرفي تجاوز حدود الزمان والمكان.

يستكمل…..

عبد الله علي جيلي
16 أكتوبر 2026
الرصافة…بغداد… العراق

عبد الله علي غيلي
عبد الله علي غيلي
كاتب وخبير في هندسة البترول والمعادن

Share

اقرأ هذا أيضًا