في عملية أمنية تحمل دلالات تتجاوز مقتل قيادي في الجهاز الإعلامي لحركة الشباب، أعلن جهاز الاستخبارات والأمن الوطني الصومالي تنفيذ عملية استهدفت مسؤولاً بارزاً في المنظومة الإعلامية للحركة، في خطوة تكشف عن تحول متزايد في طبيعة الحرب ضد التنظيم من استهداف المقاتلين ومراكز القيادة التقليدية إلى ضرب شبكات الدعاية والتأثير التي يعتمد عليها التنظيم في ترسيخ حضوره.
وبحسب المعلومات التي أعلنها الجهاز، استهدفت العملية منطقة ميرتقو، حيث قُتل مسؤول في قسم التضليل الإعلامي التابع لإذاعة «الأندلس»، إلى جانب عنصر آخر، كما تم تدمير منشأة قالت الوكالة إنها كانت تُستخدم لأغراض أمنية وإعلامية، فضلاً عن المعدات الموجودة فيها.
الإعلام.. سلاح استراتيجي لحركة الشباب
لا تعتمد حركة الشباب على العمل العسكري وحده للحفاظ على نفوذها. فمنذ سنوات، طورت الحركة منظومة إعلامية متعددة الأدوات، تشمل الإذاعات والتسجيلات الصوتية والبيانات والمقاطع المصورة والمنصات الرقمية، بهدف التأثير على الرأي العام، وتبرير عملياتها، وإظهار قدرتها على التحرك رغم العمليات العسكرية ضدها.
وتكتسب إذاعة «الأندلس» أهمية خاصة في هذه المنظومة، باعتبارها إحدى أبرز القنوات الإعلامية المرتبطة بالحركة، والتي تستخدم لنشر البيانات والتسجيلات والرسائل الدعائية.
ولهذا فإن استهداف مسؤولين يعملون داخل هذه المنظومة يمكن أن يمثل ضربة مزدوجة: أمنية وإعلامية في الوقت نفسه.
من المعركة الميدانية إلى معركة المعلومات
تكشف العملية الأخيرة عن أهمية الاستخبارات البشرية والمعلومات الميدانية في مواجهة التنظيمات المسلحة. فالوصول إلى شخصية تعمل داخل جهاز إعلامي تابع لتنظيم سري يتطلب، في العادة، معرفة بهويته وموقعه وطبيعة تحركاته والبيئة التي يعمل فيها.
إن نجاح العملية – وفق الرواية الرسمية – يشير إلى قدرة متنامية على تعقب شخصيات لا تظهر بالضرورة في الخطوط الأمامية للقتال، لكنها تؤدي أدواراً مهمة في البنية الداخلية للتنظيم.
لماذا يمثل مقتل مسؤول إعلامي ضربة مهمة؟
تعمل المنظومة الإعلامية داخل التنظيمات المسلحة كجزء من البنية التنظيمية وليست مجرد جهاز دعائي منفصل.
فالمسؤول الإعلامي يتعامل مع المعلومات والرسائل والبيانات، ويساهم في تحديد كيفية تقديم الأحداث للجمهور، كما يمكن أن يؤدي الإعلام دوراً في التجنيد والتعبئة ورفع المعنويات وإظهار السيطرة.
ومن ثم فإن خسارة أحد المسؤولين في هذه المنظومة قد تؤدي إلى تعطيل مؤقت لبعض قنوات الاتصال والإنتاج الإعلامي، خصوصاً إذا رافقها تدمير معدات ومنشآت مرتبطة بالنشاط الإعلامي.
ضربة للبنية وليس للواجهة فقط
أهمية العملية لا تكمن فقط في هوية الشخص المستهدف، وإنما في طبيعة الموقع الذي جرى استهدافه.
فاستهداف منشأة تستخدم في نشاط إعلامي وأمني يعني أن العمليات الاستخباراتية قد أصبحت تستهدف مكونات متخصصة داخل التنظيم، بما فيها الدعاية والاتصال والتنسيق، وليس فقط القيادات العسكرية.
وهذا النوع من العمليات يمكن أن يخلق ضغطاً داخلياً على التنظيم، خصوصاً إذا تكررت عمليات استهداف الشخصيات التي تمتلك معرفة واسعة بالشبكات الداخلية.
الحرب على الرواية
حيث تخوض الحكومة الصومالية وحركة الشباب منذ سنوات حرباً موازية على «الرواية»، إلى جانب المواجهة العسكرية.
فبينما تحاول الحكومة تقديم العمليات الأمنية والعسكرية باعتبارها جزءاً من جهود استعادة سلطة الدولة، تسعى الحركة إلى تصوير نفسها باعتبارها قوة قادرة على تنفيذ عملياتها والحفاظ على بنيتها التنظيمية.
ولهذا فإن ضرب المنظومة الإعلامية للحركة يحمل بعداً سياسياً وإعلامياً، لأنه يقلل من قدرتها على التحكم في توقيت ورسائل الدعاية المرتبطة بالعمليات العسكرية.
أخيرا
تمثل العملية الأخيرة، وفق المعطيات الرسمية المتاحة، نموذجاً لحرب مختلفة عن المواجهة التقليدية؛ حرب تستهدف المعلومة والشبكة والقدرة على التأثير بقدر استهداف السلاح والمقاتلين.
وإذا كانت العمليات العسكرية تضغط على حركة الشباب المتشددة في ساحات القتال، فإن العمليات الاستخباراتية ضد بنيتها الإعلامية والتنظيمية تستهدف قدرتها على إعادة إنتاج نفوذها.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعملية واحدة، بل بقدرة الأجهزة الصومالية على تحويل النجاحات الاستخباراتية المتفرقة إلى ضغط مستمر على شبكات القيادة والتمويل والاتصال والدعاية التابعة للحركة.