لغة التواصل ولغة الكتابة

المزيد للقراءة

لغة التواصل ولغة الكتابة.

لم لا تكتب بلغتك؟ سؤال يُلقى كثيرا على كل ّمن يكتب بلغة غير لغة بني قومه. وهو سؤال يفترض أن كلّ كاتب لديه القدرة على الكتابة بلغته الأم، بغض البصر عن علاقته بها ومستواه فيها. ويتجاهل هذا الافتراض أو يتناسى أنّ لكلً لغة مستويات، فهناك المستوى الأدنى الذي يمكّن صاحبه من التواصل والتفاهم مع بني جنسه، على ما قال ابن جني في تعريفه اللغة أنها “أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم” ( الخصائص، ٣٣/١. ). وهناك المستوى الأعلى، وهو مستوى الكتابة، بحيث تتحول اللغة من مجرد أداة للتواصل والتفاهم إلى صنعة تحتاج إلى التسلّح بأدوات كثيرة من العلم باللغة، وكثرة القراءة، والدّربة والممارسة، وقبل كل ذلك كلّه من الطبع الراسخ في النفس، وما يؤدي إليه ذلك كلّه من الاطلاع الواسع، وتحصيل ملكة الكتابة.
وهذا ما عناه ابن الأثير حين قال: “اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة،”. (المثل السائر ٧/١). فما كلّ من تكلّم بلغة يتواصل بها مع بني قومه بقادر على الكتابة بها على أسلوب راق متجاوز لمستوى التواصل إلّا إذا أخذ على نفسه بالتعليم والتثقيف والدّربة، وسائر ما يقتضيه ذلك من توفر أدوات التأليف والتركيب والسّبك والصياغة.
وهذا يكشف لنا شيئا من إشكالية تواجه الكتّاب بلغة غير لغتهم الأم، فقد يظنّ بهم بعض الناس الظنون، ويرمونهم بتهم أدناها التقصير والإهمال، وأعلاها الاستخفاف بالهوية والعقوق بتراث الأجداد ! ولكن لا يعلم كثير ممن يطلق هذا الكلام أن كثيرا من الكتّاب لا يخطر ببالهم شيئ من هذا عندما يكتبون، وأنّ معيار اختيار لغة الكتابة لا يخضع لأسباب أيديولوجية أو قومية أو وطنية بقدر ما يخضع لعوامل الإتقان والإجادة. وربّما امتلك بعض الكتّاب في لغةٍ غير لغتهم الأم من أدوات التأليف والبيان ما لا يمتلكونه في لغتهم الأم. وهذا الوهم يأتي غالبا من التوهّم في التلازم بين مستوى التواصل باللغة ومستوى الكتابة بها.
وهناك لغات لم تتمايز فيها الفروق بين مستويات التواصل والكتابة تمايزا واضحا مثل اللغة الصومالية؛ لبقائها قرونا متطاولة منطوقة دائرة على الألسن، وبعد كتابتها اضطربت أحوال الدولة، وتفرّق النّاس أيادي سبأ، فلم تجد اللغة وقتا كافيا للتطور، وتقعيد القواعد الواضحة بين مستويات لغة الكلام ولغة الكتابة.
وهذا ما أشار إليه الإمام ابن حزم حين قال: “فإن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم” (الإحكام في أصول الأحكام، ص٣٢). وإنً نظرة سريعة على المنشورات الصومالية في وسائل التواصل تريك عجبا، وتنبئك عن الضياع الذي تتعرض له هذه اللغة على يد أبنائها. فاللغة الصومالية لغة ثرية لفظا غنية معنى، ولها تراث أدبي عريق زاخر، يرقى الى مناكفة أرقى أداب الشرق والغرب، ولكن ظلمه ظلمة التحجب وراء ستار الشفاه. ومع هذا، وحتى لا أقع في التعميم، فلا بدّ من الإشارة إلى أن هناك كتّابا صوماليين يبدعون في الكتابة بلغتهم، متجاوزين بها مستويات التواصل إلى فضاءات أوسع وأرحب، تدلّ على سعة مفردات هذه اللغة ورحابة معانيها.
وقد نبّه الأديب الكبير عبّاس العقّاد في خضمّ مشاركته النقاش الذي كان محتدما في مصر – ولا يزال محتدما – بين الدعاة إلى استعمال العامية في الكتابة، وبين الداعين إلى التمسّك بالفصيحة ، نبّه إلى الازدواجية بين مستويات اللغة الواحدة، حين كتب:” إنّ في كل أمة لغة كتابة ولغة حديث ، وفي كل أمة لهجة تهذيب ولهجة ابتذال ، وفي كل أمة كلام له قواعد وأصول ، وكلام لا قواعد له ولا أصول ، وسيظل الحال على هذا ما بقيت لغة وما بقي ناس يتمايزون في المدارك والأذواق ، فالفصيحة باقية والعامية باقية مدى الزمان، ﻓﻠﻦ ﻳﺄﺗﻲ اﻟﻴﻮم اﻟﺬي ﻳﻜﺘﺐ ﻓﻴﻪ ﻓﺮدوس ﻣﻠﺘﻮن ﺑﻠﻐﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ اﻹﻧﺠﻠﻴﺰي، وﻓﻠﺴﻔﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺑﻠﻐﺔ اﻟﺰارع اﻷلماني، وﻟﻦ ﻳﺄﺗﻲ اﻟﻴﻮم اﻟﺬي ﺗﺴﺘﻮﻋﺐ ﻓﻴﻪ ﻗﻮاﻟﺐ اﻟﺴﻮق ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺨﻄﺮ ﻋﲆ ﻗﺮاﺋﺢ اﻟﻌﺒﻘﺮﻳين، وﻳﺨﺘﻠﺞ في ضمائر اﻟﻨﻔﻮس، ويتردد في ﻧﻮاﺑﻎ النابهين” (ساعات ببن الكتب، ص ٣١).
ومع أن التمايز بين لغة الكتابة وبين لغة التواصل شيء طبيعي يصاحب تطور اللغات، فإنّ معالم هذه الازدواجية لم تظهر بعدُ ظهورا واضحا في بعض اللغات كالصومالية؛ للأسباب التي أشرنا إليها آنفا من حديث العهد بالكتابة، وسقوط الدولة، وما صاحبها من انهيار الاجتماع البشري، والعزوف عن التعليم باللغة الصومالية في المدارس، وإحلال العربية محلّها في سنوات التيه، ثمّ غلبة الإنجليزية في عهد الفدراليات القبلية. حياة اللغة في النهاية وقوتها مرتبط بحياة أمتها وقوتها، ومدى ما تهيؤه لها من إمكانات النموّ والازدهار، فإذا ضعفت الامة، وأصابها الوهن، وذهبت ريحها، سرى هذا الضعف إلى لغتها، وظهر هذا الوهن في سائر جوانب حياتها. ومهما يكن من أمر، فإن الكاتب ليس مضطرا إلى الاقتصار على لغة دون لغة، وإنما يمكنه الجمع بين لغته الأم وبين اللغات الأخرى، ولكن بشرط توفّر الآليات اللازمة للكتابة في كلتا اللغتين.

عبدالواحد عبدالله شافعي.

Share

اقرأ هذا أيضًا