محور أنقرة يعزز نفوذه في الصومال.. رهانات الاستقرار والتحولات الاستراتيجية المقبلة

المزيد للقراءة

تتجه المؤشرات السياسية والاستراتيجية في الصومال، وفق قراءة متفائلة بمسار التحولات الراهنة، نحو مرحلة جديدة من ترسيخ الاستقرار وتعزيز الحضور الإقليمي، في ظل تنامي الدور التركي وتقدم ما يمكن وصفه بمحور أنقرة في معادلات النفوذ بالمنطقة. ويبدو أن المشهد الصومالي مقبل على تحولات تتجاوز حدود السياسة التقليدية، لتلامس أبعاداً اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية قد تعيد رسم ملامح الدولة ومكانتها الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، تتعاظم الرهانات على مستقبل الصومال، لا سيما مع ما يُتداول بشأن تطورات واعدة في قطاع الطاقة، واحتمالات استثمار الثروات النفطية في المحيط الهندي والمناطق البرية، إلى جانب مشاريع استراتيجية طموحة، من بينها إنشاء محطة فضائية في محافظة شبيلي الوسطى، بالقرب من خط الاستواء. وهي تطورات، إذا ما تحققت وفق التصورات المطروحة، من شأنها أن تفتح آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الصومالي، وتعزز موقع البلاد في مجالات التكنولوجيا والاتصالات واستكشاف الموارد الطبيعية.
تركيا.. شريك استراتيجي في معادلة الأمن الصومالي
على الصعيد العسكري والأمني، تبرز تركيا بوصفها أحد أبرز الشركاء الاستراتيجيين للصومال، في ظل شراكة تتجاوز التعاون التقليدي إلى بناء القدرات الدفاعية وتعزيز المؤسسات العسكرية والأمنية.
وتتجه الأنظار، في هذا الإطار، إلى الدور التركي المحتمل في تطوير المنشآت العسكرية، وفي مقدمتها قاعدة بلي دوغلي، التي تمثل إحدى أبرز المنشآت الجوية العسكرية في جنوب البلاد، فضلاً عن المشاريع المرتبطة بتطوير البنية التحتية الاستراتيجية، بما في ذلك إنشاء مطار كبير في مدينة بيدوا، ومشاريع ميناء وقاعدة بحرية في مدينة لاس قري، الواقعة بالقرب من خليج عدن.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية استراتيجية بالغة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للصومال وإشرافه على ممرات بحرية حيوية، وما يمكن أن توفره هذه المنشآت، في حال تنفيذها، من إمكانات لتعزيز الحضور البحري والجوي، ومراقبة التحركات العسكرية والبحرية في محيط خليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
كما أن تنامي الشراكة الصومالية التركية قد يفضي إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ الإقليمي، خصوصاً في ظل الاهتمام المتزايد بموانئ بوصاصو وبربرة، وما تمثله من أهمية في الحسابات الجيوسياسية للقوى الإقليمية والدولية.
الأمن ومكافحة الإرهاب.. رهانات المرحلة المقبلة
أما في ملف مكافحة الإرهاب، فإن تنامي قدرات القوات الجوية الصومالية، بالتوازي مع التعاون العسكري التركي، يمثل أحد المرتكزات المهمة لتعزيز الأمن الوطني ومواجهة تهديدات حركة الشباب الإرهابية.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان على مستقبل الأمن الصومالي لا ينبغي أن يظل أسير المخاوف والتقديرات المتشائمة، بل يجب أن يستند إلى قراءة متوازنة للتحولات الجارية، وما يمكن أن تتيحه من فرص لتطوير القدرات العسكرية، وتعزيز التنسيق الأمني، وتوسيع نطاق السيطرة الحكومية.
ولا يعني ذلك التقليل من التحديات القائمة، أو تجاهل تعقيدات المشهد الأمني والسياسي، وإنما النظر إليها باعتبارها تحديات قابلة للمعالجة في ظل توافر الإرادة السياسية، واستمرار الدعم الاستراتيجي، وتعزيز مؤسسات الدولة.
تماسك الجبهة الداخلية.. الضمانة الحقيقية للاستقرار

وفي موازاة التحولات العسكرية والاقتصادية، تبرز أهمية التماسك السياسي والوطني بوصفه عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الصومال.
ومن هذا المنظور، فإن الالتفاف السياسي حول الرئيس حسن شيخ محمود خلال السنوات الخمس المقبلة، وفق المسار السياسي المطروح، يمثل أحد العوامل التي يمكن أن تسهم في تعزيز استمرارية مؤسسات الدولة، وتوفير البيئة المناسبة لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وترسيخ الاستقرار.
كما أن التطورات السياسية والأمنية في مناطق هيران وبيدوا، وغيرها من المناطق، ينبغي أن تُقرأ في سياقها الوطني الأوسع، بعيداً عن التهويل أو تحويل الأحداث الميدانية إلى أحكام نهائية بشأن مستقبل البلاد.
فالصومال، رغم التحديات التي يواجهها، يمتلك من المقومات الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية ما يؤهله للانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، شريطة أن تتقدم المصالح الوطنية على الحسابات الضيقة، وأن تتعزز الثقة بين مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع.
الصومال أمام تحولات استراتيجية كبرى
إن تنامي الشراكة مع تركيا، وتطور القدرات العسكرية، والآفاق الواعدة في قطاع الطاقة، والمشاريع المرتبطة بالتكنولوجيا والبنية التحتية، تمثل جميعها عناصر يمكن أن تسهم في إعادة صياغة موقع الصومال في محيطه الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، فإن ما تشهده المنطقة من تحولات في موازين النفوذ يفتح أمام الصومال فرصة تاريخية لتعزيز حضوره، والاستفادة من موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية، والتحول من ساحة للتنافس الإقليمي إلى دولة فاعلة في معادلات الأمن والاقتصاد الإقليميين.
غير أن تحقيق هذه الرؤية يظل مرهوناً بقدرة الدولة على إدارة شراكاتها الاستراتيجية وفق أولوياتها الوطنية، والحفاظ على وحدة أراضيها، وتطوير مؤسساتها، وتعزيز استقلالية قرارها السياسي.
أخيراً..
إن الرهان على مستقبل الصومال لا ينطلق، وفق هذه الرؤية، من مجرد تفاؤل سياسي، بل من قراءة للتحولات الاستراتيجية المحتملة، وما يمكن أن تحمله السنوات المقبلة من فرص لإعادة بناء الدولة وتعزيز مكانتها.

وقد تكون المرحلة المقبلة مفصلية في تاريخ الصومال، إذا ما توافرت الإرادة الوطنية، واستمر العمل المؤسسي، وتعززت الشراكات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الشراكة مع تركيا.

فالصومال يمتلك مقومات النهوض، وما يحتاج إليه اليوم هو تحويل هذه المقومات إلى قوة سياسية واقتصادية وعسكرية حقيقية، تجعل من الاستقرار مشروعاً وطنياً مستداماً، ومن المستقبل فرصة لبناء دولة قوية وفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا