مذكرة بونتلاند إلى مجلس الأمن: بين الحق في إبداء الموقف وخطورة تدويل الخلاف الداخلي

المزيد للقراءة

*مذكرة بونتلاند إلى مجلس الأمن: بين الحق في إبداء الموقف وخطورة تدويل الخلاف الداخلي*.

تثير المذكرة المتداولة، الموجهة من حكومة بونتلاند إلى مجلس الأمن جملةً من القضايا السياسية والأمنية والدستورية المتعلقة بمسار الدولة الصومالية. وبالنظر إلى خطورة نقل الخلافات السياسية الداخلية إلى المحافل الدولية، فإن التعامل معها ينبغي أن ينطلق أولًا من الدستور ، ومبدأ سيادة الدولة، وطبيعة النظام الفيدرالي الصومالي.
فالدستور  ينص صراحةً على أن سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية تمتد إلى كامل إقليمها، وأن أراضي الدولة «غير قابلة للتجزئة والانتهاك»، مع تأكيد تسوية النزاعات الإقليمية بالوسائل السلمية والقانونية.
ومن ثم، فإن وجود خلاف سياسي بين الحكومة الفيدرالية وإحدى الولايات الأعضاء لا يحوّل الولاية إلى طرف دولي مستقل، ولا يمنحها تلقائيًا مركزًا دوليًا منفصلًا عن الدولة الصومالية؛ فالولايات الأعضاء جزء من البناء الفيدرالي للدولة، ووزارة التخطيط الصومالية تُدرج بونتلاند ضمن الولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي وفق الدستور المؤقت (المعترف من قبل بونتلاند)؛ وعليه فالخطورة تكمن في الآتي:
أولًا: الخلاف الفيدرالي لا ينبغي أن يتحول إلى تدويل من حق أي طرف صومالي أن يطرح مخاوفه السياسية والدستورية، وأن يطالب بالحوار والشفافية وحسن إدارة الموارد؛ لكن المسار الطبيعي لهذه الخلافات هو الحوار الدستوري والسياسي الصومالي، وليس تقديم الخلاف الداخلي إلى مجلس الأمن بطريقة توحي بأن مؤسسات الدولة الفيدرالية أصبحت طرفًا أجنبيًا أو خطرًا على النظام الدولي.
وتفيد المعلومات المنشورة بشأن المذكرة بأنها تطلب،من بين أمور أخرى: حوارًا سياسيًا عاجلًا، وتدخلًا دوليًا مباشرًا مع الولايات الأعضاء، وإعادة النظر في القيود على الأسلحة، ومناقشة قضايا الحكم وإدارة الموارد وغيرها.
وهنا تبرز مسألة منهجية مهمة: هل يؤدي تدويل الخلاف إلى حل الأزمة، أم يؤدي إلى إضعاف قدرة المؤسسات الصومالية على إنتاج الحل الوطني؟
ثانيًا: بعثة الأمم المتحدة ليست أداة لإدارة الخلافات السياسية
ومن المهم تصحيح نقطة جوهرية في المذكرة المتعلقة ببعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال UNTMIS.
فالبعثة أنشئت بقرار مجلس الأمن رقم 2753 لعام 2024، وكانت مهمتها مرتبطة بمرحلة انتقالية تهدف تدريجيًا إلى نقل المسؤوليات إلى المؤسسات الوطنية الصومالية. وتوضح الأمم المتحدة أن عملية الانتقال خلال الفترة 2024–2026 تهدف إلى تعزيز الملكية الوطنية للمسار السياسي وبناء المؤسسات؛ بل إن قرار مجلس الأمن المشار إليه يحدد 31 أكتوبر 2026 موعدًا لوقف عمليات UNTMIS بعد استكمال المرحلة الثانية من الانتقال؛
وعليه، فإن المطالبة بتمديد البعثة تحتاج إلى نقاش مستقل حول الظروف التي تستوجب ذلك، ولا ينبغي أن تصبح وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء.
ثالثًا: مكافحة الإرهاب مسؤولية وطنية، ولا خلاف في أن مكافحة الإرهاب والقرصنة وحماية المدنيين تمثل تحديات حقيقية أمام الصومال، كما أن الجهود التي تبذلها القوات الصومالية في مختلف المناطق ينبغي الاعتراف بها ودعمها.
لكن تحويل الإنجاز الأمني في منطقة معينة إلى مبرر لبناء علاقات أمنية دولية منفصلة عن مؤسسات الدولة الفيدرالية يثير سؤالًا دستوريًا مهمًا وهو: كيف يمكن بناء مؤسسة أمنية وطنية موحدة إذا أصبحت الترتيبات الأمنية الخارجية مرتبطة بكل ولاية على حدة؟
وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن الحكومة الفيدرالية تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين، وأن التعاون مع الولايات الأعضاء والشركاء الدوليين ينبغي أن يكون منسقًا في إطار الدولة الصومالية.
رابعًا: الادعاء بوجود توجه شعبي نحو الانفصال يحتاج إلى دليل؛ حيث تتضمن المذكرة إشارة إلى وجود «جماهير ضخمة» في بونتلاند تؤيد الاستقلال الكامل عن المركز.
وهذه نقطة لا يصح أكاديميًا التعامل معها باعتبارها حقيقة إحصائية ما لم تدعمها بيانات علمية، مثل استطلاع تمثيلي مستقل أو استفتاء ذي إجراءات واضحة.
فالتمييز هنا ضروري بين التعبير السياسي وبين إثبات اتجاه الرأي العام. ولا يجوز للباحث أن يحول عبارة سياسية إلى نتيجة اجتماعية عامة من دون منهجية قابلة للتحقق.
خامسًا: المساءلة يجب أن تكون متبادلة.
أما الاتهامات المتعلقة بالفساد أو منح العقود أو إدارة الموارد، فهي قضايا مشروعة من حيث المبدأ، لكن المعالجة الأكاديمية والقانونية لها تقتضي تقديم الوثائق والأدلة، وتحديد الجهة صاحبة الاختصاص، ثم إجراء التحقيق وفق القانون.
وفي المقابل، ينبغي للحكومة الفيدرالية أن تتعامل مع هذه الاتهامات بالشفافية، وأن تجعل المؤسسات الرقابية والقضائية قادرة على فحصها بصورة مستقلة.
فالدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن كل ممارسة تصدر عن مؤسساتها، كما أن انتقاد الحكومة لا يعني إسقاط شرعية الدولة،
والمسألة الجوهرية ليست: مقديشو أم غرووي؟ وإنما: كيف يمكن للصوماليين بناء نظام فيدرالي يعمل وفق الدستور، ويعالج خلافاته من خلال المؤسسات والحوار، ويحافظ في الوقت نفسه على سيادة الدولة ووحدتها؟
ومن هذا المنظور فإن الموقف الأكاديمي المتزن يتمثل في ثلاث قواعد أساسية هي:
١-احترام الدستور وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها.
٢-معالجة الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء بالحوار والآليات الدستورية.
٣-رفض تحويل الخلاف السياسي الداخلي إلى صراع دولي، مع قبول الرقابة والمساءلة الدولية في الحدود التي يحددها القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

وفي الختام  إن قوة الدولة الصومالية لا تُقاس بقدرتها على إسكات الولايات، كما أن قوة الولايات لا تُقاس بقدرتها على تجاوز الدولة؛ وإنما تقاس بقدرة الطرفين على إنتاج عقد سياسي ودستوري قابل للاستمرار يحفظ حقوق الولايات ويصون وحدة الدولة في آن واحد.
كما أن وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه ليست أوراقًا تفاوضية تُطرح على طاولة الخلافات السياسية، ولا قضية قابلة للمساومة بين مؤسسات الدولة و الأطراف السياسية؛ وإنما هي مبادئ أساسية تقوم عليها الدولة الصومالية. ويجب أن تُناقش الخلافات المتعلقة بتطبيق النظام الفيدرالي وتوزيع الصلاحيات والموارد في إطار الدستور والحوار الوطني، بعيدًا عن تدويل الخلافات الداخلية أو تحويلها إلى قضية دولية.

نوح الشيخ عبدي غافو
24 سبتمبر 2026م

Share

اقرأ هذا أيضًا