مقديشو بين الاحتجاج والاحتواء.. اختبار جديد لاستقرار العاصمة في ظل تصاعد التوتر السياسي

المزيد للقراءة

تعيش العاصمة الصومالية مقديشو حالة من التوتر السياسي والأمني المتصاعد، على خلفية الخلاف المتفاقم بين الحكومة الفيدرالية وقوى معارضة أعلنت نيتها تنظيم مظاهرات واسعة داخل المدينة، في مشهد أعاد إلى الأذهان فترات الاضطراب السياسي التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ورغم أن الاحتجاجات السياسية باتت جزءًا من المشهد الديمقراطي الناشئ في الصومال، فإن طبيعة التحركات الأخيرة وحجم التعبئة المصاحبة لها أثارا مخاوف جدية من احتمال انزلاق العاصمة إلى مواجهات أو اضطرابات أمنية، خاصة مع الحديث عن انتشار مسلحين في بعض الأحياء والتقاطعات الحيوية.
الحكومة الصومالية شددت، في بيانات رسمية، على أنها لا تعارض حق التظاهر السلمي، مؤكدة احترامها للحقوق الدستورية المتعلقة بحرية التعبير والتجمع، لكنها في المقابل اتهمت بعض الأطراف السياسية بمحاولة “شل العاصمة” وتحويل الاحتجاجات إلى وسيلة ضغط تتجاوز الأطر الديمقراطية.
ملعب يريسو.. تسوية أمنية أم تضييق سياسي؟
في محاولة لاحتواء الأزمة، اقترحت الحكومة تنظيم الاحتجاجات داخل ملعب المهندس عبدالرحمن يريسو، باعتباره موقعًا يمكن تأمينه وضبطه أمنيًا دون التأثير على حركة المدينة ومؤسساتها الحيوية.
غير أن المعارضة اعتبرت، في بداية الأمر، أن حصر التظاهر في موقع واحد يمثل تقييدًا للعمل السياسي ومحاولة للحد من الزخم الشعبي المتوقع للمظاهرات، قبل أن تفضي الوساطات القبلية والسياسية لاحقًا إلى قبول مبدئي بالخطة الحكومية.
ويرى مراقبون أن اختيار ملعب يريسو يحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني، إذ تسعى الحكومة إلى منع تكرار سيناريوهات سابقة شهدت فيها مقديشو انتشار احتجاجات متفرقة أفضت إلى مواجهات مسلحة وتعطيل الحياة العامة.
وساطات عشائرية لاحتواء الانفجار
برزت خلال الساعات الماضية تحركات لزعماء تقليديين وشخصيات اجتماعية نافذة نجحت في تخفيف حدة التوتر وفتح قنوات تفاهم بين الحكومة والمعارضة، خصوصًا في ظل الانتماءات العشائرية المتداخلة بين أبرز الفاعلين السياسيين في الأزمة.
وتشير المعطيات إلى أن الوساطة التي قادها شيوخ من قبيلة أبغال، التي ينتمي إليها الرئيس حسن شيخ محمود والرئيس السابق شريف شيخ أحمد، لعبت دورًا مهمًا في تجنب التصعيد وتهيئة الأرضية لتفاهمات أمنية مؤقتة.
ويؤكد متابعون للشأن الصومالي أن البنية العشائرية لا تزال تمثل عاملًا حاسمًا في إدارة الأزمات السياسية، سواء باعتبارها عنصر تهدئة أو أداة تعبئة، وهو ما يعكس استمرار تأثير النظام الاجتماعي التقليدي على طبيعة السلطة والدولة في الصومال.
تصاعد الخطاب السياسي 
أحد أكثر الجوانب التي أثارت القلق خلال الأزمة الحالية هو تصاعد الخطاب السياسي الحاد بين الطرفين، حيث تبادلت الحكومة والمعارضة الاتهامات بالتحريض والتصعيد.
كما أثارت تصريحات لبعض القيادات السياسية، التي تضمنت إشارات إلى “المعارك” والمواجهة، مخاوف من أن تتحول المنافسة السياسية إلى استعراض قوة في الشارع، خاصة في ظل الانتشار الواسع للسلاح داخل العاصمة وتعقيدات المشهد الأمني.
ويرى محللون أن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في تنظيم المظاهرات، بل في إمكانية توظيف الحشود سياسيًا وعشائريًا بطريقة قد تهدد المكاسب الأمنية التي تحققت في مقديشو خلال السنوات الأخيرة.
مقديشو بين الديمقراطية وهاجس الفوضى
حيث تواجه الدولة الصومالية اليوم معادلة معقدة: كيف يمكن حماية الحق في الاحتجاج السلمي دون السماح بانهيار الأمن العام؟ وكيف يمكن للمعارضة ممارسة دورها السياسي دون الانزلاق إلى الشارع المسلح أو تعطيل الحياة المدنية؟
بالنسبة لكثير من سكان مقديشو، فإن الهاجس الأكبر لا يتعلق فقط بالخلاف السياسي، بل بالخوف من العودة إلى أجواء الفوضى والانقسام التي دفعت العاصمة ثمنها لعقود طويلة.
ولهذا تبدو جميع الأطراف أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إدارة الخلاف ضمن الأطر السلمية والدستورية، بعيدًا عن لغة القوة أو استدعاء العصبيات القبلية.
وفي ظل استمرار التوتر، يبقى مستقبل الأزمة مرهونًا بمدى نجاح جهود التهدئة والحوار، وقدرة النخبة السياسية الصومالية على تغليب منطق الدولة على حسابات الصراع السياسي الضيق.

وفي المحصلة، يظل الطريق الأقصر والأكثر أمانًا أمام جميع الأطراف في الصومال هو تغليب منطق الحوار والتفاهم الوطني على أي حسابات سياسية أو خلافات آنية. فمقديشو، بما تمثله من رمز للدولة والعاصمة الجامعة، لا يمكن أن تكون ساحة صراع، بل يجب أن تبقى مساحة للتلاقي وبناء الثقة بين مختلف المكونات.
إن الحفاظ على الاستقرار ليس مسؤولية الحكومة وحدها، ولا المعارضة وحدها، بل هو واجب وطني مشترك يتطلب وعيًا سياسيًا عميقًا وإرادة صادقة لتجاوز الماضي بكل تعقيداته. وفي ظل التحديات التي يمر بها البلد، تبقى الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي هما الضمان الحقيقي لعبور المرحلة نحو دولة أكثر استقرارًا وتقدمًا

Share

اقرأ هذا أيضًا