من دولة الخلافة إلى دولة القبيلة.
تقوم الأدبيات التأسيسية للحركات الإسلامية على نقد الدولة القطرية بوصفها نتاجا للمرحلة الاستعمارية، والدعوة إلى تجاوزها عبر مشروع وحدوي يتمثّل في إقامة دولة الخلافة، أو على الأقل بناء صيغة اتحادية إسلامية تتيح قدرا من التكامل السياسي والاقتصادي. غير أن التجارب العملية لهذه الحركات، عقب وصولها إلى السلطة أو مشاركتها فيها، أفضت بها إلى إدراك أن الدولة القطرية تمثّل إطارا سياسيا راسخا يصعب تجاوزه، وأن فكرة الكيان السياسي الواحد للأمة بقيت في الغالب شعارا مثاليا سهل التداول في سياق المعارضة، لكنه بالغ الصعوبة في سياق الممارسة السياسية. ونتيجة لذلك، خفّفت هذه الحركات من حدّة نقدها للدولة القطرية، وتعاملت معها باعتبارها معطى سياسيا لا يمكن القفز عليه.
غير أن هذا التحول لم يكن نهاية مسار التراجع، إذ واجهت الحركات الإسلامية واقعا أكثر تعقيدا، تمثّل في فشل الدول القطرية في إدارة التعدّدية الاجتماعية والسياسية، ووقوعها تحت أنماط حكم استبدادية احتكرت السلطة والثروة، ومارست أشكالا واسعة من القمع والاضطهاد بحق مجتمعاتها. وقد أسهم هذا الواقع في تفكك البنى الوطنية، وانكفاء الطوائف والقبائل على هوياتها الفرعية، واستحضار الولاءات ما قبل الوطنية، في ظل ذاكرة جماعية مثقلة بتجارب الإقصاء السياسي وتمزيق الروابط المجتمعية.
وفي هذا السياق، وجد بعض الإسلاميين أنفسهم أمام انحدار جديد، يتمثل في الانتقال من القبول بالدولة القطرية إلى التكيّف مع واقع التشظي الداخلي، حيث باتت بعض المشاريع السياسية الإسلامية محصورة في أطر طائفية أو قبلية محدودة. وهكذا انتهى مشروع الخلافة الإسلامية، لدى قطاع من الحركات الإسلامية، من كونه تصورا وحدويا جامعا، إلى مجرد طموح لإدارة كيانات سياسية مجزأة، لا تتجاوز حدود الطائفة أو القبيلة.
وفي السياق الصومالي حين ظننّا أنه لم يبق قاع حدثت الطامة الكبرى، حين خرجت جماعة الاعتصام السلفية في هرغيسا، وباركت الاعتراف المتبادل بين العدوّ الصهيونى وصومالاند، وإذا كانت الانحدارات السابقة كلها يمكن أن نجد لها أعذارا في الواقع أو في الإمكان أو في غير ذلك من الإكراهات السياسية، فإنّ هذا المستنقع الأخير كان بمثابة طعنة قاتلة لم تأت على تفتيت ما بقي للجماعة من المصداقية فحسب، وانما كانت كذلك ضربة أصابت على موقفها الأخلاقي في مقتل. ومما لفت انتباهي في بيان علماء الاعتصام الذين أيدوا التطبيع مع العدوّ إعلانهم أنهم وصلوا إلى مرحلة من الإكتفاء الذاتي في التعامل مع النصوص الدينية، ولا يحتاجون إلى تدخل جهات اخرى في شؤونهم الدينية ! وهذا بمثابة إعلان الانفصال الديني بعد الانفصال السياسي، وكأنّ بيان الحكم الشرعي ليس مرتبطا بالأهلية العلمية، وانما يتطلّب كذلك الانتماء القبلي لتحقيق إضفاء الشرعية الدينية على مصالح القبيلة!.
وهنا لم تعد المشكلة في فشل مشروع الخلافة، ولا في التعايش مع الدولة القطرية، بل في تحوّل الدين نفسه إلى أداة شرعنة لهويات مجزأة، فاقدة لأي شرعية سياسية أو التزام أخلاقي.
















