هذه الصورة تحمل لنا جميعًا الأمل والبهجة؛ فها هي التراب الحمراء في أرضنا قد ارتوت بقطرات الغيث بعد طول شحّ وعطش، واغتسلت الأشجار بماء السماء، وتلألأت الأوراق برقراق المطر، بينما النسيم العليل يذوب في الأرجاء، والغيوم البيضاء والرمادية تكسو السماء برداء من الطمأنينة والجمال.
قبل هذا الغيث كانت الأرض جرداء، والمراعي قد ذبلت، والمواشي ترنو إلى قطرة ماء، والأطفال أجهدهم الجوع والعطش، وكبار السن يرفعون أكفهم إلى السماء كل صباح، يحدقون في الأفق مترقبين سحابة تحمل لهم الحياة.
ثم بدت الغيوم تتلبّد في السماء، رؤوسها كثيفة ومدوّرة، تتماوج كما لو كانت جبالًا عائمة، وتزداد ثقلًا رويدًا. الشيوخ يراقبونها بعين مترقبة، يقرأون فيها حركة الريح وحال الجو، وينظرون للمطر وألوانه وكثافته ويرصدون حالة الأجواء والطقس.
وما لبث الرعد أن دوّى في الأفق كإعلان عظيم، وهبت رياح خفيفة تحمل نسيمًا رطبًا محمّلًا برائحة الحياة، فتفجّرت قطرات المطر رقراقًا على التراب والأشجار، فنهضت الأرض من سباتها بعد طول انتظار.
أعظم عطر وأجمل رائحة: رائحة التربة حين تبتل بماء المطر، حين تختلط مع نكهة النسيم. وأجمل صوت: صوت الرعد، إنه إعلان قدوم الغيث والخير. وأجمل منظر للسماء في موسم الشدة: حين تتزين بألوان الغيوم، ويأتي المطر من جهة البحر أو من خلف الجبال، فتراه من بعيد ينهمر على القرية الفلانية. وأحسن خبر يتداوله الناس: لقد ذهب القحط والجذب، وعمّ المطر الأرض، ونجت النفوس من موت كان قريبًا.
ثم يسمع الإنسان خرير الماء في الوادي وهو يتحوّل إلى سيول عارمة، وصوت الضفادع في المياه الراكدة، وأغاني الطيور، وتفاؤل البهائم والمواشي. تنبت النباتات بعدما غابت عن الأرض القاحلة، يعود الخصب، وتستعيد الحياة رونقها وبهجتها.
يشرب البدوي بيديه من بركة امتلأت بماء المطر العذب، Xareed، أعظم ماء، وتنهمر الفرحة في النفوس مع كل قطرة. ويثلج ذلك الماء البارد القادم من السماء روحه وقلبه. تزدهر المراعي، ويغمران البيوت الحليب واللحم، وتستعيد النفوس قوتها وسعادتها.
وبدلاً من اعتماد أهل البادية على تبرعات القبيلة والمحسنين، صاروا يستقبلون الخير بأنفسهم، ويعيشون حياة أكثر استقلالية وراحة. الخير صار متوفراً من السماء، والمطر أغنى الجميع، وزالت الحاجة إلى انتظار أو طلب المعونة من الخارج.
لقد ردد الناس دعاء الغيث، كما ورد في صلاة الاستسقاء:
“اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، واسعاً هنيئاً مبروراً”
وكانوا يكررون هذا الدعاء في صلاة التراويح خلال شهر رمضان، وفي كل صلاة استسقاء، صلةً بقلوب مفعمة بالرجاء، يطلبون من الله أن يحيي الأرض ويغيث عباده وبهائمه.
والآن، إن شاء الله، سيستمتع الشباب بالسباحة في مياه الآبار الكبيرة ومياه الحوض الطبيعي، والسهول المائية والوديان الموسمية . لن يضطر أحد للانتظار لوصول سيارات المياه من أماكن بعيدة، فالمطر راكد هنا وهناك، وارتوت البهائم في كل وادي وجبل وسهل مجانًا.
الصومال تعتمد على الثروة الحيوانية في غذاء أهلها وتجارة رجال أعمالها، وتعتبر من أكبر الدول المصدرة للإبل والأغنام عالميًا. وكثير من شعبها يعيش في البادية والريف، ويستفيد من المواشي في توفير الغذاء، ويتم تصدير الأنعام، واستيراد المواد الغذائية، والأدوية، والوقود، والملابس للزينة، ومواد البناء، والكتب والدفاتر، وكل ما يحتاجه الإنسان، بثمن تلك المواشي. والبدوي يبيع شاة ويشتري بثمنها حاجياته اليومية، ويعيش مع أسرته حياة بسيطة مستقرة، مغتنيًا برزق السماء، ومطمئنًا على حياة أبنائه وبهائمَه ومواشيه.
ولقد أعجبني حقا تفاؤل البدو رغم المحن، وتكرارهم بكلمة واحدة ” Deeq waa tan Rabbi”
وسوف نسمع هذه الأيام من أهل البادية الصومالية:
“Cirku waa jiq. Dhul iyo cir baa balamay. Roob mahiigaan ah baa haya tuulo hebla. Waa la roobsaday. Abaartii waa laga baxay alxamdulilaah. Xareedaa meel walba waran. Neecaw qabaw, naxariis iyo saxansaxo baa sanka lala raacayaa. Carafta geedaha roobsaday iyo uduga dhulka oo shuux fiican helay, kadibna roob mahiigaana baa naftu hurdo fiican ku laday. Mar dhaw xooluhu barqo daaq bay noqon doonaan. Nasri iyo nimco baa la helay, xoolaha haraga iyo laftu isku dhagtay mar dhaw way soo kaban. Way irmaanaan doonaan. Wixii xoola sanadka baxay badalkood baa inshalaah la heli doonaa. Guurdoonku waa galo fariisan doonaa. Ciirta iyo caanaha baa laga dhargi doonaa. Cad iyo caano waa laga noolaan doonaa”
الكاتب/عبدالرحمن راغي علي

