هكذا تخلصت من تلك البطالة!

المزيد للقراءة

في إحدى يومياتي أصحوا من النوم ؛ استنشق عبير اليوم الجديد ، آكل واشرب واستحم ؛ واخرج من مسكني ، لأبدأ عراك الحياة من جديد وفي يوم جديد .. في مكتبي ؛ هنا العمل ؛ وهناك الواجبات ؛ وفي البعيد هناك الأوامر ؛ والجلسات والأعمال الكثيرة والمتراكمة ، فيتراكم علي ساعة بعد أخرى ، لأجد بعض الإستراحات في أوقات الصلوات ؛ او الفراغ العرضي لأجدد نشاطي من جديد ؛ واسترجع بعضا من حيويتي التي ضاعت بين ثنايا هذا المكتب.

وفي المساء ينتهي دوام العمل ؛ وأتجه حيث اقطن فيه ؛ لأخفف عن نفسي عباءة العمل وعن حملها ، فأستريح قليلا ؛ ثم أبحث عن متنفس غير الذي كان معي في صباح اليوم ؛ واتجه نحو الحدائق ومجالس المدينة لأستجمع قواي ؛ واتذوق الهدوء والسكينة ؛ واتعامل مع الإنسان كالإنسان وليس كآلة عمل ووامر ونواهي كما هو في مكتبي …فأسرح وامرح واضحك ؛ واتلقى جرعات من السرور ومشاعر جميلة التي لا توصف ، واصحابي خير جليس لي في هذه المجالس .

ويتكرر هذا في اليوم وغدا وبعد غد ؛ وتستمر الدوامة ولاتنتهي ؛ إلا أن يتحول الكل شيئا مزعجا ؛ فلا استطيع أن افرق بين روتين العمل او رديفتها “اي التنزه والإستراحة المسائية ” ، فأبدأ بالتيه والملل ؛ ثم يضيق افقي ؛ ولا اقوى الصبر ؛ ولا اجد علاجا لها …فأتساءل نفسي؛ ماذا تسمي نفسك ؟ هل أنت تعاني من فراغ حيث الجدول متراص بعده بعد آخر ؟ إذا فهل هي بطالة حيث لا بطالة في حياتك ؟ أسئلة ؛ تراودني صباح مساء ؛ ولا اجد لها جوابا ؛ إلى أن بدأت ادخل في عوالم لم اجربها قبل ؛ حيث وجدت فيها نفسي ؛ وتلقيت فيها علاجي ، ولم اعد اعاني من ذلك المراض الذي انهشني واقعدني …. إنه هو !.

في إحدى الأمسيات ؛ وكالعادة مع الأصدقاء ؛ وقع في يدي كتاب من احد رفقائي ؛ وكان موضوعه جذابا ؛ وقلبت صفحاته وبدون مبالاة ؛ ولم اعره اية إنتباه لما يحويه ؛ ولكني قررت ان استعيره لكي احاول قراءته ولو جزءا من صفحاته … لم أتمكن من النظر فيه حتى ؛ ولم تمسكه يدي لفترة طويلة ؛ حتى كدت ان انساه … وفي إحدى الأيام كنت شارد الذهن ؛ اعاني من بطالة لم افهم نوعها ؛ بادرت بالنظر فيه حيث غطى عليه الغبار ؛ بطول غيابي عنه ؛ وبدأت القرءاة فيه ؛ والحت على نفسي قراءته بعد ذلك ، فبعد شدة وتعب ؛ وقراءة وتوقف ، وتكاسل أنهيته والحمد لله.

ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان ؛ وذلك لأن إنتهائي من قراءة الكتاب كانت بادرة مباركة ؛ فتحت لي الآفاق واعطت في عالم القراءة في نفسي رونقا من نوع جديد ؛ فبدأت احب القراءة ، ليس لأنها نافعة ؛ وإنما وجدت فيها ماكنت أفتقده لفترات طويلة …## وجدت في عالم القراءة الصديق الصدوق ؛ والذي لايفارقني مهما طال الزمان ، فهو صار لي بمثابة أنيس يخفف عني هول العالم من حولي ؛ فأعطاني كذلك عملا لا امل منه ؛ حيث لا أوامر ولانواهي ؛ فقط عطاء ثم عطاء ثم عطاء … ولم احس بملل سوى تعب طفيف ؛ والذي لايقاربه من اتعاب غيره من الأعمال.

العطالة التي كنت اعانيها ؛ كانت العطالة عن عمل القراءة ؛ والغياب عن هذا العالم الفسيح ، والقائم بذاته ؛ بحيث تنتقل إليه وبكل مشاعرك ؛ ولم تعد تحس بالذي كنت فيه جسمانيا ؛ إنه عمل لكل إنسان سواءا موظف مكتب او غيره …فكم من عمال يتعبون ليلهم ونهارهم في مكاتب عمل ويرهقون نفوسهم ؛ ومازالوا يحسون فراغا ، وكم منهم من لا عمل له ولا وظائف ؛ وقد ملؤوا او قاتهم بهذا العمل ؛ فلم يعودوا يحسو او ينشغلو بالبطالة التي نعرفها ؛ ثم بعدها جمعوا علوما ومعارف ؛ ووجدوا خبرات لم يكن ليستعطيوا في جمعها لو قضوا حياتهم في سفر وترحال.

والآن لم اعد اعيش في بطالة ؛ وايقنت أن البطالة الحقيقية هو الغياب والفراغ عن هذا العالم ؛ الذي لانقدر له قدره ؛ ولا نعطيه حقه الذي يستحق ؛ وان كنت اعتبر نفسي مبالغا في ذلك ؛ إلأ أنني استطيع القول ان العطالة التي نعرفها لم تكون لتكون لو تخلصنا من عطالة القراءة.

محمد الساعدي
محمد الساعدي
أستاذ أكاديمي وكاتب في بيدوا

Share

اقرأ هذا أيضًا