يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم

المزيد للقراءة

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم

إنَّ المجتمعات التي تُصان فيها الكرامات، وتُحفظ فيها الحقوق، ليست هي المجتمعات التي تُربّى على الخضوع والصمت، وإنما تلك التي يتجذر في وعيها رفضُ الظلم، ومقاومةُ الطغيان، والقيامُ بواجب الإنكار كلما انتُهكت القيم أو اعتُدي على الحقوق. قال تعالى:
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، فجعل للمظلوم حقَّ رفع صوته بالشكوى، وكشف الظلم، وطلب الإنصاف.
ومن هنا، فإنَّ تربية الشعوب على إنكار المنكر، ورفض الاستبداد، وعدم الركون إلى الظالمين، تُعدُّ من أعظم ضمانات العدالة واستقامة العمران. فالمنكر لا يُرفض بحسب هوية فاعله، بل يُنكر من أي جهة صدر؛ من حاكم أو مسؤول أو فرد، لأن القيم لا تستقيم بازدواجية المعايير، ولا تُصان الحقوق بالمحاباة والخوف.
ولذلك شُيّدت المؤسسات، ووُضعت الأنظمة، وأُقرَّ مبدأ الفصل بين السلطات؛ حمايةً للمجتمع من تغوّل السلطة، ومنعًا لتحول النفوذ إلى استبداد. فاستقلال السلطة دون رقابة أو مساءلة هو المدخل الأخطر للطغيان، إذ إن الإنسان إذا شعر بالاستغناء عن المحاسبة تجاوز الحد، كما قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7].

ومن المبادئ العظيمة التي قررها القرآن الكريم الثناءُ على أهل الإصلاح الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا سيما حين يتعلق الأمر بظلم الناس وفساد الشأن العام. ومن أشد أنواع المنكرات: المنكر السياسي، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق، وإفساد العدالة، وإشاعة الخوف بين الناس. ولهذا أشاد القرآن بأولئك الذين ثبتوا في وجه الظلم، حتى دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم، فقال سبحانه:
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21].
وقد نقل الإمام الفخر الرازي عن الحسن رحمه الله قوله: “هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العِظم منزلة الأنبياء”. وروي أن رجلاً سأل النبي ﷺ: «أيُّ الجهاد أفضل؟» فقال: «أفضل الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر».

ومن هنا، فإن الشكوى من الظالم، وكشف التجاوزات، والسعي لحماية الحقوق بكل الوسائل المشروعة، ليس خروجًا على القيم، بل هو من صميم العدل الذي جاءت به الشرائع، لأن التستر على الظلم، والصمت عن الجور، لا يؤديان إلا إلى تغوّل الظالم، وتشجيعه على مزيد من الانتهاك والإفساد. قال تعالى:  ” لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم” [ النساء: 148].  يعني أنه تعالى لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره وكيده ، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه ( مفاتيح الغيب للرازي).

إن العلماء، والقضاة، والمحامين، والمثقفين، وكل مواطن شريف، مسؤولون عن ترسيخ ثقافة العدالة، ومقاومة الظلم، وحماية المجتمع من التحول إلى بيئة يألف فيها الناس الجور ويعتادونه. فالمجتمع الذي يسكت عن الظلم، يفتح الأبواب لانتشاره، حتى يغدو الاستبداد فيه أمرًا مألوفًا، وتصبح الحقوق فيه غريبةً مستضعفة.
تحياتي لكم.

محمد عمر أحمد
محمد عمر أحمدhttp://qiraatsomali.com
باحث وكاتب صومالي

Share

اقرأ هذا أيضًا