جوبالاند بين وعي المجتمع وخطر توظيف الإقليم ضد الدولة.
=====
يُجمع الصوماليون، دون استثناء يُذكر، على أن أبناء جوبالاند يشكّلون جزءاً أصيلاً من المشروع الوطني الصومالي، وأنهم من أكثر المجتمعات تمسكاً بوحدة البلاد، وسيادتها، ووحدة المصير المشترك للشعب الصومالي. فجوبالاند، تاريخياً وسياسياً، لم تكن في يوم من الأيام نقيضاً لفكرة الدولة، ولا خصماً لمبدأ الصومال الواحد، بل كانت دائماً في قلب المعادلة الوطنية.
غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الإقليم ولا في أهله، وإنما في المسار السياسي الذي انتهجه أحمد محمد إسلام (أحمد مدوبي)، والذي تحوّل مع مرور السنوات من إدارة محلية مؤقتة إلى مشروع شخصي يتغذّى على الأزمات، ويُراكم التوتر مع الدولة الفيدرالية بدلاً من الانخراط في مسار بناء المؤسسات.
لقد تجاوزت سياسات أحمد مدوبي حدود الخلاف السياسي المشروع، لتلامس بشكل مباشر قضايا السيادة الوطنية ووحدة القرار السياسي. فاللجوء المستمر إلى الخارج، وفتح قنوات موازية للعلاقات الإقليمية والدولية، واستخدام جوبالاند كورقة ضغط في مواجهة الحكومة الفيدرالية، كلها ممارسات لا يمكن فصلها عن مخاطر تفكيك الدولة، أو على الأقل إضعافها في مرحلة هي الأشد حساسية في تاريخ الصومال الحديث.
السؤال الجوهري الذي يطرحه الواقع اليوم هو:
هل يدرك أحمد مدوبي أن الصوماليين لم يعودوا كما كانوا قبل ثلاثين عاماً؟
لقد تغيّر الوعي العام، وتطورت قدرة المجتمع على قراءة المشهد السياسي، وفهم أساليب المناورة التي استُخدمت طويلاً في ظل ضعف الدولة وتفكك مؤسساتها. التكتيكات القائمة على خلط المصالح الشخصية بالقضايا الإقليمية، أو تسويق الصراعات السياسية باعتبارها دفاعاً عن “حقوق الأقاليم”، لم تعد تنطلي على الشارع الصومالي الذي بات أكثر إدراكاً للفارق بين الخلاف المشروع، والابتزاز السياسي.
اليوم، لم يعد ممكناً خداع الداخل، ولا تسويق الروايات القديمة التي تقوم على تصوير الدولة كخصم، والإقليم كضحية دائمة. فالغالبية العظمى من الصوماليين باتوا يدركون أن قوة الأقاليم لا تتحقق في مواجهة الدولة، بل من خلال دولة قوية وعادلة تضمن التوازن بين المركز والأطراف، وتحفظ الحقوق ضمن إطار وطني جامع.
الأخطر في مسار أحمد مدوبي ليس فقط تهديده لوحدة الصومال، بل تعريضه جوبالاند نفسها لمخاطر العزلة السياسية، واستنزاف مواردها، وإبقائها رهينة صراعات لا تخدم مصالح سكانها ولا مستقبل أجيالها. فجوبالاند تحتاج إلى الاستقرار، والتنمية، والشراكة الوطنية، لا إلى توظيفها كساحة صراع مفتوح.
إن اللحظة الراهنة تفرض وضوحاً لا لبس فيه:
جوبالاند مع وحدة الصومال، ومع مشروع الدولة، لكن مشروع الدولة لا يمكن أن يكون رهينة لطموحات فرد أو حسابات ضيقة. فالتاريخ لا يرحم، والوعي الشعبي حين يتشكّل لا يمكن الالتفاف عليه، ومن يضع نفسه في مواجهة إرادة الأمة، سيجد نفسه معزولاً مهما طال الزمن.

